فلسطينمقالات

اذا انقلبت الأعمدة

الراعي الذهبي

بقلم القس: بسّام بنّورة- بيت ساحور

مزمور 3:11 “إِذَا انْقَلَبَتِ الأَعْمِدَةُ، فَالصِّدِّيقُ مَاذَا يَفْعَلُ؟ “
كلمة “الأعمدة” في الأصل العبري هي הַ֭שָּׁתוֹת (هشتوت)، ومفردها שָׁתָה (شتاه) وتعني أساس أو عمود. وتتكرّر الكلمة مرتين فقط في الكتاب المقدس في مزمور 3:11، وفي سفر إشعياء 10:19.
وتعني كلمة “أعمدة” أو “أساسات” ما يقوم عليه البيت أو البناء، فبدون أعمدة وأساسات ينهار البناء ويتدمر، ويصبح أثراً بعد عين.
وتشير كلمة “أعمدة” أو “أساسات” إلى الأمور أو الأشياء التي يقوم عليها المجتمع البشري، وإلى الأساس الأخلاقي والروحي الذي يحافظ على حياة الأفراد والعائلة والمجتمع. كذلك تشير الكلمة إلى قوة الحق والعدل الذي تقوم عليه الحياة وتزدهر.
فعندما تنقلب الأعمدة.
أي عندما ينعدم العدل.
وعندما تنعدم الأخلاق.
وعندما يسيطر العنف في المجتمعات.
وعندما يسود الكذب والنفاق بدل الحق والصدق.
وعندما ينعدم الأمن والسّلام والاستقرار.
وعندما يستمع النّاس لأبواق الدعاية الباطلة، ولصوت الأقوياء والمنتفعين والمرتزقة، بدل صوت الأبرار والمخلصين والصادقين.
وعندما لا ينتبه النّاس للحق والعدل.
وعندما لا يجد الإنسان الأمين والمخلص له مكاناً في بلده ومجتمعه.
عند حدوث كل هذا، أي عندما تنهار أساسات المجتمع الأخلاقيّة والروحيّة والأدبيّة، يطرح الله علينا بلسان نبيّه الملك داود سؤالاً ملحاً ومهماً: “فَالصِّدِّيقُ مَاذَا يَفْعَلُ؟”
هل يجبُن ويهرب من الواقع، كما اقترح أصدقاء النّبي داود عليه في الآية رقم 1 من مزمور 11 “اهْرُبُوا إِلَى جِبَالِكُمْ كَعُصْفُورٍ”.
هل يتخاذل ويردد مقولة الأنانيين والجبناء: “اللهمَّ نفسي”؟
هل يقبل الواقع المقلوب، ويصبح جزءًا من نظام الشَّر الجديد؟.
نجد الجواب على هذه الأسئلة في الآية رقم 4 من نفس المزمور: “اَلرَّبُّ فِي هَيْكَلِ قُدْسِهِ. الرَّبُّ فِي السَّمَاءِ كُرْسِيُّهُ. عَيْنَاهُ تَنْظُرَانِ. أَجْفَانُهُ تَمْتَحِنُ بَنِي آدَمَ.”.
الرب كان وسيبقى سيد الوجود، فهو جالسٌ على عرش المجد والسّلطان والقوّة، وهو ضابط الكل.
وهذه الحقيقة تملأ قلب المؤمن بالشجاعة والقوة والطمأنينة والسَّلام والعزيمة للعمل.
نقرأ في متى 28:10 وصيّة الرّب يسوع له كل المجد: “وَلاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ.”.
لذلك لا يخاف المؤمن المسيحي من قوى الشَّر والظلمة، وممن يقتلون الجسد، فهم لا يقدرون على النفس والرّوح والعقيدة والإيمان الراسخ في القلب.
المؤمن المسيحي يلجأ أولاً إلى مخدعه طالباً حضور الله في حياته. وبعد الصلاة، يخرج إلى المجتمع صارخاً مثل يوحنا المعمدان: “تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ… أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً».(مـتّى 2:3-3).
لا يخاف المؤمن من الظالم والشّرير والمتآمر على حياة ووجود النّاس.
المؤمن يعظ بإنجيل الخلاص. بإنجيل المحبّة. بإنجيل السَّلام.
المؤمن يقول الحق بمحبَّة.
المؤمن يُعرّي قوى الظلام.
المؤمن يدعو النّاس للنهوض من موت الخطيّة، وإلى قبول الرّب يسوع، وتعاليم الرّب يسوع: أي يدعو النّاس إلى حياة القداسة، ورفض الخطيّة بكل أشكالها من كذب وزنا ونجاسة وقتل ونفاق وظلم.
وهكذا: عندما تنقلب أعمدة الحياة الأساسيّة، أي عندما يسيطر الظلم والقوة والكذب وغيرها من أشكال وطرق الخطيّة على المجتمعات.
عندما يسود الشّر وظلام الخطيّة.
على الإنسان المؤمن والصّديق أن ينخرط في حياة الصلاة والعمل بكل استطاعته، وبقوة الروح القدس، على التبشير بإنجيل الرّب يسوع: إنجيل الخلاص والتجديد والحياة والعدل والسّلام والحياة الأبديّة.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content