الجليلالمانشيت الرئيسيتحقيقاتمدارس مسيحيةمقالات

استعدادات المدارس الأهلية المسيحية في الداخل

الراعي الذهبي

بقلم: المحامي بطرس منصور*

تستعد المدارس المسيحية الاهلية في الداخل (وتسمى رسميًا في وزارة التربية “المدارس الكنسية”) لافتتاح السنة الدراسية في ظل خلاف حاد بين نقابتي المعلمين ووزارتي المالية والتربية. يهدد هذا الخلاف بعدم افتتاح السنة الدراسية في كل مدارس البلاد في موعدها في الفاتح من أيلول واستبداله باضراب. يدور الخلاف حول اقتراحات لرفع أجور المعلمين المتدنية التي لا يختلف اثنان انها تقبع في الحضيض ولا تتلائم مع حجم المسؤولية واهميتها لدولة تعتمد على المورد الإنساني العلمي للحفاظ على مستواها المتفوق.

لا شك ان الخلاف سيجد له حلًا في نهاية المطاف وعندها ستبقى المدارس الاهلية عامة والمسيحية منها خاصة امام تحدياتها العينية التي سنركز على احداها هنا.

لفهم التحديات يتوجب التوضيح اننا نتحدث عن 33 الف طالب – حوالي 60% منهم من المسيحيين والباقي من المسلمين. اغلب المدارس في شمال البلاد (بالأساس في الناصرة والقضاء وحيفا). حصة الأسد هي للمدارس الكاثوليكية: اللاتينية، التابعة لرهبانات مثل مار يوسف او دون بوسكو مثلا، لحراسة الأراضي المقدسة (التيراسانطة) وايضًا للروم الملكيين الكاثوليك. أما الأقلية فهي لمدارس ارثوذكسية وانجليكانية وكنيسة اسكتلندا ومعمدانية. أقيمت كل المدارس قبل قيام الدولة وتتميز لحد اليوم بمستواها ونتائجها التعليمية التي يشار لها بالبنان. فبعض منها يتبوأ أماكن مرتفعة اللوائح التي تنشرها وزارة التربية نفسها عن نسبة الاستحقاق او التميز في الامتحانات الحكومية (البجروت) لكل مدارس البلاد. تبرز بينها الكلية العربية الارثوذكسية في حيفا ومدرسة راهبات الناصرة في حيفا، الاكليريكية وراهبات مار يوسف والمعمدانية في الناصرة ( للشفافية اذكر اني اعمل بهذه الأخيرة). بالسنين الأخيرة بزغ ايضًا نجم مدرسة نوتردام في معليا في الشمال. انتجت هذه المدارس كوكبة مذهلة من الخريجين في مجالات الطب والمحاماة وهندسة الحاسوب وغيرها. نذكر عدة أسماء لامعة مثل العالِم في مجال الهندسة الطبية البروفيسور حسام حايك، نائب رئيس شركة ابل العالمية جوني سروجي، الدكتور سالم بلان المختص في مجال سرطان الرأس والرقبة، النائب ايمن عودة والنائب أسامة سعدي، قاضيا محكمة العدل العليا سابقًا سليم جبران وجورج قرا وغيرهم الكثير.

هذه المدارس تتلقى من وزارة التربية مخصصات شبه كاملة في الصفوف الثانوية والبساتين ومخصصات جزئية للغاية في الصفوف الابتدائية التي تؤلف اغلبية الطلاب (الصفوف الأول حتى الثامن). ان هذا الاعتماد الضخم على المخصصات المالية الحكومية يشكل خطرًا على استقلالية هذه المدارس مع العلم انها تعمل بقوة عن طريق الأمانة العامة للمدارس المسيحية للحفاظ على هذه الاستقلالية.

الراعي البرونزي

يتكون عجز مالي في كل المدارس الاهلية المسيحية  نتيجة  عدم توفير الحكومة الدعم المالي الكامل للمدراس الاهلية بينما تنعم شبكات المدارس اليهودية الربانية بميزانيات وبفائض مالي اذ هي  تتمتع باستقلالية وأيضا من تمويل حكومي كامل. فمن هنا تعتمد المدارس الاهلية المسيحية على أقساط تعليمية خاصة يدفعها الأهالي في وقت يكون فيه التعليم في المدارس الرسمية الحكومية مجانيًا، مما يخلق تفاوت بين الصنفين.

تتمتع المدارس الاهلية المسيحية باستقلالية في تعيين وفصل طاقمها لكنها تخضع لإشراف وزارة التربية وتلتزم بقوانينها العامة وبمنهاجها التعليمي. فطلاب هذه المدارس يتقدمون للامتحانات النهائية (البجروت) مثلها مثل باقي طلاب البلاد وينافسون على ذات المقاعد بالأساس في جامعات إسرائيل.

نظرًا للرخاء الاقتصادي والوعي لأهمية التعليم في إسرائيل فقد ارتفعت الميزانيات التي تضخّها الحكومة للمدارس ككل وزادت البرامج التي تهدف لتطوير مستوى التعليم. فوصلت ميزانية وزارة التربية الى 24 مليارد دولار في السنة الواحدة وهي تضاهي بهذا ميزانية الجيش! برزت بين هذه البرامج الجديدة: برنامج “افق جديد” للابتدائي و “عوز ليتموراه” للثانوي- وهما برنامجان ثوريان لتمديد يوم التعليم ومنح المعلم ساعات إضافية مدفوعة للتحضير الذاتي في المدرسة ولإجراء دروس مراجعة لمجموعات صغيرة من الطلاب. تم تفعيل البرنامج الملائم للثانويات ولكن استبعد عن الابتدائيات في المدارس الاهلية المسيحية مما خلق فجوة في الأجور وهروب بعض المعلمين للمدارس الرسمية التي تتمتع بظروف عمل ومعاشات اعلى.

 لكن لا يقف الامر عند هذه البرامج وانما عند برامج عديدة أخرى تقدمها الوزارة للمدارس الرسمية وتمنعها او تطبقها بشكل جزئي عن المدارس غير الرسمية وبضمنها الاهلية المسيحية منذ عدة سنوات. فمن هنا تسعى المدارس الاهلية المسيحية للحفاظ على تميّزها ونتائجها اللافتة على الرغم من التحدي المالي ومحاولتها اللحاق بركب وزارة التربية وتفعيل الأخيرة لبرامج وفعاليات عديدة في مدارس هها الرسمية الحكومية.

وهكذا تسعى المدارس الاهلية المسيحية استغلال المصادر المالية الأخرى لجسر الهوة وهو مثلًا الأقساط التعليمية. نظرًا للتمييز المجحف والمتراكم منذ قيام الدولة فان شرائح المجتمع العربي في البلاد ككل تتركز في الطبقات الاقتصادية والاجتماعية الأدنى في البلاد. اما مرتادو المدارس الاهلية المسيحية فهم أحسن حالًا بالمجمل بقليل فقط من معدل المواطنين العرب في البلاد. فمن هنا يمكن الاعتماد بشكل جزئي فقط على الدخل من أقساط التعليم المخفضة اصلًا للمحافظة على بيئة تعليمية وبرامج وشروط توظيف وغيرها بمستوى يضاهي المدارس الرسمية. المصدر الثاني هو دعم الارساليات التي اقامت هذه المدارس قبل سنين طويلة وما زالت تدعمها بدرجات متفاوتة بين مدرسة وأخرى. واجهت المدارس الاهلية المسيحية صعوبات جمّة في جمع الدعم من الجهات المسيحية ما وراء البحار في الوقت الذي انصبت الجهود في الغرب على اعانة ضحايا داعش من المسيحيين في الموصل مثلا او تقديم الإغاثة في الحرب في سوريا والعراق واليوم في الحرب الروسية- الاوكرانية.

الراعي البرونزي

ركزنا في المقال على الجانب المالي لأنه ركيزة تفعيل البرنامج التربوي والتعليمي في كل مدرسة وهو من التحديات الرئيسية امام المدارس، ولكن بالطبع هو ليس الجانب الوحيد. اذكر انه من الجانب الآخر – تسعى المدارس الاهلية المسيحية المحافظة على رسالتها المسيحية في خضم مجتمع طغت عليه العولمة والمادية والانفتاح المتزايد على الغرب على ما فيه من اباحية. كما ان وجود المسيحيين كأقلية في مجتمع عربي إسلامي وايضًا كعرب في دولة يهودية يشكلان تحديًا آخر من حيث الهوية الايمانية والقومية والمدنية. يساهم الكهنة والقسوس والراهبات، الذين يقفون في اغلب الحالات على رأس هذه المؤسسات، في حفظ التوازن بين عوامل الهوية.

نصلي لبركة ربنا ونعمته على مدارسنا الاهلية المسيحية لتستمر في تأدية رسالتها التربوية والتعليمية والروحية التي ابتدأت بها منذ عدة قرون الى يومنا.

*المحامي بطرس منصور: هو مدير تنفيذي في المدرسة المعمدانية في الناصرة منذ عشرين عاما وخدم ايضًا كعضو في الأمانة العامة للمدارس المسيحية.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content