مقالات

الثقافة الريفية الفلسطينية وارتباطها بالأعياد المسيحية

الراعي الذهبي

أيلول وعيد الصليب في الأمثال الشعبية الفلسطينية

سند ساحلية

ترتبط الذاكرة والثقافة الشعبية الفلسطينية والريفية منها على وجه الخصوص، ومواسم الزراعة وقطف الثمار والحصاد والفصول وتقلبات الطقس، بالأعياد المسيحية حسب التقويم الميلادي الشرقي. فقد ربط الفلاح الفلسطيني مثلا عيد الميلاد بالأجواء الباردة، وعيد القيامة بالطقس الحار، وعيد الصليب بوقت قطاف الرمان والزيتون وبداية بشائر المطر، وعيد البربارة بهطول الامطار، وعيد اللد بموسم الحرث وبذر الحبوب.

لقد تشكلت هذه الخبرات ومواعيد المواسم والامثال الشعبية المرتبطة بها على مدى ألوف السنين، حيث نجد فيها ترسبات من الثقافة الوثنية قبل ظهور الديانات السماوية في بلاد الشام، ومن تلك التي سادت أيام الكنعانيين كالزراعة البعلية نسبة الى الاله بعل، كذلك من بعد نشوء المسيحية ومجيء الإسلام، حيث تّشكل معظم الموروث والنتاج الثقافي المرتبط بالزراعة والثقافة البيئية خلال الفترة التي كان فيها اغلبية السكان من المسيحيين.

ولقد ساهم التقويم الميلادي الذي يعتمد على دوران الأرض حول الشمس” السنة الشمسية”، في اقتران هذا الموروث الثقافي الشعبي المتداول في المجتمع الريفي الفلسطيني بالأعياد المسيحية، حيث ان هذا التقويم لديه مواقيت ثابتة ومتكررة لا تتبدل، يمكن اتخاذها مرجعاً يعتمد عليه للقياس والتنبؤ بالمواسم الزراعية والفصول، وهذا ما يفتقده التقويم الهجري الذي يعتمد على دوران القمر حول الأرض المتغير من سنة لأخرى.

الراعي البرونزي

ويزخر الموروث الثقافي والذاكرة الريفية الفلسطينية بمئات الأمثال الشعبية المرتبطة بالفصول وأشهر السنة، وبالطقس والرياح والامطار، ومواعيد الزراعة ومواسم الحرث والبذار والحصاد والبيادر، وتخزين المونة لأيام الشتاء.

ويحظى شهر أيلول \ سبتمبر الذي يطلق عليه أيضا شهر الصليب (عيد ارتفاع الصليب الذي يصادف في 14 ايلول حسب التقويم الشرقي، والذي يصادف 27 سبتمبر بحسب التقويم الغريغورياني) بحظ وافر من هذه الامثال، باعتباره موعدا منتظرا في الريف ولدى الفلاحين والمسيحيين الفلسطينيين على حد سواء: ففي 23 أيلول ينتهي الصيف ويبدأ فصل الخريف، وتنضج فيه ثمار الزيتون والليمون: “في أيلول بدور الزيت في الزيتون والمر في الليمون”، حيث يشكل موسم الزيتون أهم وأكبر المواسم الزراعية في فلسطين.

وبالنسبة الى المسيحيين يرتبط أيلول بأحد اعيادهم المهمة، وهو عيد ارتفاع الصليب، والذي بدأته الملكة القديسة هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين الأول عام 326، بعد ان وجدت الصليب في القدس ورفعته على جبل الجلجلة وبنت فوقه كنيسة القيامة، فأصبح رمزا للفداء والقيامة والمجد.

لقد ربط اجدادنا بين خصائص شهر أيلول المناخية والزراعية المختلفة وبين عيد الصليب في امثالهم: ومنها قولهم “مالك صيفات بعد الصليبيات”، “أيلول ذيوله مبلول”، “أيلول طرفه بالشتا مبلول” أي ان الصيف ينتهي بأيلول، وغالبا ما تهطل امطار خفيفة قبل نهايته تسمى امطار “المساطيح، الصليب”. ويقول المثل الشعبي “إن صلّبت خرّبت”، لان هطول المطر يتلف بعض المحاصيل كالعنب والتين، وبمرور عيد الصليب تقل ساعات النهار ويبدأ الطقس بالتقلب. و “بعد الصليب كل أخضر بِسيب”، “بعيد الصليب كل أخضر بيشيب” كمثل على بداية فصل الخريف حيث تصفر أوراق الأشجار ويزول اخضرارها.

ويقول المثل ايضا: “ان جاء الصليب روح يا غريب”، وهي دعوة لعودة للمصطافين (المعزبون) في كرومهم الى بيوتهم بسبب إمكانية سقوط الامطار، ومثل: “إن صلّب الصليب لا تأمن الصبيب” والصبيب هو المطر، و “في الصليب المطر طروحات” بمعنى أنه خفيف في الخريف.

الراعي البرونزي

كما ارتبطت امثال أيلول وعيد الصليب بالمواد التموينية والغذائية، بقول المثل الشعبي: “الصليب ميزان المونة”، “في أيلول تْموّن لعيالك وشيل الهم عن بالك”، أي ان فصل الشتاء قد اقترب مما يستوجب تخزين مؤونة الشتاء. و “بعدك يا صليب ما ظل حليب”، في إشارة إلى قلة حليب الأغنام بسبب حمل اناثها في الخريف.

وجاءت بعض الامثال كتقويم لضبط بداية ونهاية المواسم الزراعية: “عيّد وطلاع، صلّب ونزال”، وهي دعوة للمزارعين لصعود الجبال لفلاحتها وزراعتها بعد عيد الفصح واعدادها للمواسم المقبلة، والنزول الى السهول بعد عيد الصليب لقطف الزيتون والرمان والتين والعنب، واعداد الدبس والقطين والزبيب، وتخزين الرمان واعداد الخل والعرق والنبيذ. ويحدد هذا المثل: “لا تقطع العنب للزبيب حتى يمر الصليب” الوقت المناسب لقطفه لعمل الزبيب. و “لما يصلب الصليب ما ترفع عن زيتونك القضيب” دلالة على إمكانية جدّ الزيتون. علما ان خبرة الفلاح الفلسطيني علمته ان استخدام العصى “القضيب” في قطف الزيتون “الجداد” يؤذي الاغصان الصغيرة التي ستحمل الثمار في العام المقبل، ولهذا لم يعد شائعا استخدام العصي في عملية القطف.

وببداية فصل الخريف بعد عيد الصليب، تهب رياح شرقية مع أواخر أيلول يطلق عليها الفلاح الفلسطيني “شراقي الصليب”، “الشرقية”، وكان الفلاحون يكرهونها لأنها تجفف وجوههم وتتسبب بظهور القشور على أيديهم وارجلهم، كما تؤثر سلبا على بعض المزروعات، فقالوا: “سنة الشراقي بتدور ما بتلاقي” أي ان لا خير فيها.

ويذكر انه الى جانب المراسم الدينية وإقامة الصلوات بمناسبة “عيد ارتفاع الصليب”، يضيء المسيحيون الشموع والمشاعل بهذه المناسبة أيضا ويضعونها على الإمكان العالية، كإشارة الى اعلام الناس بالاكتشاف، كما فعلت الملكة هيلانة بإرسال إشارة نارية من على رؤوس الجبال لتخبر ابنها الملك قسطنطين بانها وجدت خشبة الصليب التي صلب عليها المسيح في القدس.

ومنذ ذلك الحين أي في بداية القرن الرابع الميلادي أصبحت اشارة الصليب اشارة الاعلان عن الانتماء للمسيحية، وذلك بعد ان مرت هذه الإشارة بمراحل تغير وتطور كثيرة. وعلى سبيل المثال اتخذ المسيحيون الأوائل رسم السمكة شعاراً لهم، وهو عبارة عن قوسين متقاطعين يمتد الطرفان الأيمنان بعد نقطة التقاطع ليشبه شكل السمكة، وقد استخدمه المسيحيون الأوائل كشعار سري ليتعرفوا على بعضهم بعض، خاصة في ظل التعرض للمضايقات من الوثنيين قبل اعتماد المسيحية ديانة للإمبراطورية الرومانية.

الراعي البرونزي

أما السبب في اختيار السمكة فهو لما لها كرمز من أهمية خاصة في المسيحية في معناه، وأيضا لتكرار ذكرها في العهد الجديد، حيث تُذكر كلمة سمكة بمشتقاتها حوالي سبع وعشرون مرة. هذا إضافة الى كون الكلمة اليونانية القديمة (ΙΧΘΥΣ أو ΙΧΘΥC) التي تنطق بالعربية (إيسوس) وتعني سمكة، يشكل كل حرف منها خمس كلمات فتكون: Ἰησοῦς Χριστóς Θεοῦ͑ Υἱός Σωτήρ، أي يسوع المسيح ابن الله المخلص.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content