الجليلفلسطينمقالات

السوط والعبيد!

الراعي الذهبي

بقلم: منال عبدالله خوري- فيرمونت، كاليفورنيا

تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا أحداث وتفاصيل قتل الصحفية الفلسطينية “شيرين أبو عاقلة”، وبتلك الرصاصة التي أصابت رأسها فتركتها جثة هامدة على طرف الطريق، أُصيب معها كل الشعب الفلسطيني! ومشهد أكثر ألمًا، مثير للقشعريرة عندما تدارك الشباب – خلال موكب الجنازة – النعش المهتزّ بين أيديهم قبيل ارتطامه في الأرض عندما هجم عليهم أفراد الجيش الاسرائيلي بهمجية وشراسة بعصيهم الحديدية، فصرخنا من هول المنظر، بينما الشباب يحاولون تفادي الضربات التي حوطتهم من كل جنب وطرف، لكنهم أبوا أن يتركوا النعش، وبأيادٍ مجردة سوى من الكرامة قاوموا لحمايته برجولة وعنفوان… ورفعوه عاليًا من جديد!

للحق أقول، نحن لم نختر هويتنا، ولم نختر العنصرية والاضطهاد وسوء المعاملة والظلم الذي نواجهه بشكل يومي، لكننا نربى ونكبر في وسطها ونحاول كل يوم أن نتعايش مع واقعنا… لقد اعتدنا المقاومة.. واعتدنا مشاهد الموت برغم قسوتها، حتى أصبحنا نترحّم ونبتلع الغصة ونتابع المسير! ولكن عند مشاهدة هذه الهمجية تغتصب أبسط حقوق الإنسان، حتى في الموت، تلسعنا مشاعر القهر والظلم الحارقة، وتختنق الآه في حناجرنا. فحتى الجسد النائم في نعش خشبي له أن يثير نقمة الآخر ويدفع بشياطينه لتهدّد سكينته وتُنجِّس قدسية وحرمة حضوره…! مؤلم بكميات أن نقبل الحقيقة المرّة بأننا حتى في موتنا نستمر بالمقاومة. حتى في موتنا، لا نزال في نظر العدو مجرد كائنات هامشية…حتى في موتنا لا نملك أبسط الحقوق للإنسانية.. لا رهبة ولا حياء ولا احترام أمام حضرة الموت!!

نلاحظ عبر التاريخ وقصصه الكثيرة والمختلفة بأن للإنسان غريزة طبيعية بربرية ووحشية لأبعد الحدود، كطبيعة الحيوانات الضارية تمامًا! فمثلاً في العهد القديم، اشتهر الشعب الآشوريّ بوحشيته لدرجة كانت تخافه وتخشاه بقية شعوب الأرض! لقد كان لوقع حوافر أحصنتهم وضربات السوط العالية بينما تتدافع عرباتهم نحو القتل والسبي، وقع شديد الهيبة، كان  يدّب الرعب في القلوب لدرجة كان الكثيرون يختارون الانتحار على الوقوع في أياديهم! نعم، كان الأشوريون يعتبرون أنفسهم الشعب السامي وأما البقية فمجرد كائنات غير مستحقة! ولذلك فقد محاهم الله عن وجه الأرض…! إن الله بطيء الغضب وكثير الرحمة، طويل الاناة ويتمهّل ويُنذر، لكنه لا يسكت عن الحق… لأنه عادل وكله برّ وصلاح!

بعد خطية آدم وحواء أصبحت كل البشرية مجبولة بالخطية، فكل طفل يولد بالخطية ويحتاج إلى نعمة الله للخلاص والتطهير. فكما يقول الكتاب المقدّس في رومية 3: 23 “الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله“. وبذلك، تجد أن الغريزة الأساسية والطبيعية لدى الإنسان هي غريزة بربرية ووحشية ودامية. وكلما ابتعدنا عن الله – الذي هو مصدر القداسة والطهارة –  كلما اشتدت خصال الطبيعة الشريرة فينا وزادت شراستنا وقسوة قلوبنا… والعكس صحيح! فكلما تقرّبنا منه وطلبنا وجهه وخلاصه هو فقط دون سواه، كما أصبحنا نشبهه بالطباع والخصال. فهو طيب ووديع وكثير الرحمة والرأفة ومتواضع! أنا لا أتحدّث هنا عن التدين، بل أتحدَّث عن العلاقة الروحية مع الله!

الراعي البرونزي

إن رد الفعل الطبيعي أما الظلم قد يتراوح ما بين استنكار هادئ وحتى الغضب الثائر حد النقمة! وبإمكاني القول أننا شعب اعتدنا الوجع، فاحساس الظلم يلبسنا، وللحق أقول بأننا قد تعبنا اللهث خلف حقوقنا، وتعبنا من لعق جراحنا مرة تلو الأخرى…وهي لا تُشفى! وأدرك أن قسوة الحياة والظلم يولد في قلب الإنسان الإحساس بالقهر والغضب.. حدّ العجز! نعم، نشعر بالعجز. والله قال: “لا بالقوة ولا بالقدرة، لكن بروحي قال رب الجنود“! هنالك حد لقدرة المرء، ومن بعده يقف عاجز! ونحن كبشر نقف أمام الكثير من المواقف عاجزين. ولكن من المهم أن نُدرك أننا غير متروكين وغير منسيين إن كان رجاؤنا هو في الرب! فإن لم يجد الشر رادعًا على الأرض، فهناك رادع من السماء وهو فوق الكل: ” إِنْ رَأَيْتَ ظُلْمَ الْفَقِيرِ وَنَزْعَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ، فَلاَ تَرْتَعْ مِنَ الأَمْرِ، لأَنَّ فَوْقَ الْعَالِي عَالِيًا يُلاَحِظُ، وَالأَعْلَى فَوْقَهُمَا.” (جا 5: 8).

 لقد قام قايين بقتل أخيه هابيل بدم بارد، بشراسة وبلؤم ووحشية وتركه مرميا على الأرض ودمه يسيل وهرب بعيدًا… لكن إله الرحمة والعدل قال لقايين: ” «مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ. فَالآنَ مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ.” (تكوين 4: 10 – 11).  قد لعن الرب قايين، وأمر الأرض أن تتمرد عليه، حيث فقد سلامه الداخلي. وعاش في قلق واضطراب وخوف وكان يجرى وليس من مطارد… !

لقد وعدنا الله أنه هو من يرد حقنا المسلوب إذما اتكلنا عليه هو وحده لا غيره. ” لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ. فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ».لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ ” (رومية 12: 19 – 21).

ووعدنا انه عندما يحين الوقت هو سيتدخّل، وكل ما علينا فعله هو أن نثق بوعوده ونؤمن بتدخلاته ونطلب وجهه وخلاصه هو وحده! ” أَنَا الرَّبُّ فِي وَقْتِهِ أُسْرِعُ بِهِ” (أشعياء 60: 22).

الراعي البرونزي

لا أنكر صعوبة الأمر، أن تصبر على المهانة والضيقة، أن تصبر على المذلة والظلم، أن تلجم نفسك عن الإنقضاض بشراسة وغل لتأخذ حقك من عدوك لترتاح… ذلك يتطلب قوة عظيمة وسلام داخلي رهيب.. وهذا ممكن فقط في شخص الرب وحده لا غير.  إنوعود الرب تملأ كلمته وتفيض وهو أمين ويبقى أمين، لا يقدر أن يُنكر نفسه. آمن وثق به وهو سيأتيك في وقته! “لأنه تعلّق بي أنجيه، أرفّعه لأنه عرف اسمي” (مزمور 91: 14).

إن الله لن ولا يسكت عن حق أولاده وهو يسمع الصلاة…ويستجيب. وبالأخير لنا هذا الرجاء فيه :

 “مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ». وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا. فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رومية 8: 35 – 39).

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content