مقالات

الصلاة الربانية في كنائسنا

الراعي الذهبي

بقلم: بيير طنوس

الملخص

هذه المقالة هي محاولة لتوجيه نظر الكنيسة الإنجيليّة إلى موضوع الصلاة من خلال دراسة الصلاة الربانية في إنجيل متى. وتشدّد هذه المقالة على ضرورة الصلاة ومركزيتها في خدمة الكنيسة. وتؤكد على أن صلاتنا هي مرآة لرسالة إنجيلنا، فنحن نُصلّي ما نؤمن به. وفي الوقت ذاته قد تتحدّى الصلاة الربانية في تضرعاتها وابتهالاتها الستة مفهومنا للصلاة ولرسالة الإنجيل. لذلك لا تقدم هذه المقالة دراسة لنص الصلاة الربانية فحسب، بل تناشد الكنيسة الإنجيليّة في الأراضي المقدسة أن تأتي إلى الآب السماوي ببساطة الأطفال، وأن تأتي بالمديح لاسم الرب في أقوالها وأفعالها، وأن تخدم وتتعامل مع بيئتها بحسب معايير ملكوت السماوات، وأن تخضع للرب ليستخدمها في تحقيق مشيئته، وأن تثق بالرب لتحقيق احتياجاتها، وأن تكون تربة خصبة لنمو ثقافة الغفران والمصالحة، وأن تفهم مكايد إبليس لكي لا تكون فريسة له.

المقدمة

يقول القديس ترتليان إننا نجد في الصلاة الربانية تلخيصَ الإنجيل كله[i]. ولم أجد أفضل من هذه الصلاة لكي أتكلم من خلالها عن الصلاة في الكنيسة الإنجيليّة في الأراضي المقدسة، لأننا لا يمكن أن نفصل صلاتنا عن رسالتنا وإنجيلنا. اعتمدت في هذه المقالة تقسيم الصلاة إلى ستة تضرعات (آخرون يقسمونها إلى سبعة تضرعات فيجعلون التضرع الأخير من قسمين). وسأعرض بعضًا من أفكار من سبقونا في الإيمان عن صلاة “أبانا”. وسوف أناشد في كل قسم من هذه الصلاة الكنيسة الإنجيليّة، أن تكون مُصليّة كما يحق لإنجيل المسيح. فهذه الصلاة تناشدنا أن نأتي إلى الآب ببساطة الأطفال، وبثقة الأولاد بأبيهم، وأن نجلب المديح لاسم الرب في أقوالنا وأفعالنا، وأن نعيش وفق معايير مملكة الرب، وأن نطلب تحقيق مشيئته إلى أن تتم بالكامل، وأن نثق به لتسديد احتياجاتنا الأساسية، وأن نُطوّر ثقافة الغفران والمصالحة، وأن نفهم مكايد الشرير وننجو منها.

الراعي البرونزي

ملاحظةٌ على النص الكتابي

سأعتمد في هذه المقالة نص ترجمة فاندايك سميث كما هو، بما فيه العبارة الأخيرة “لأن لك الملك..”. نجد نص الصلاة الربانية في إنجيل متى (9:6-14) وفي إنجيل لوقا (2:11-4). وسوف أركز في هذه المقالة، على النص من إنجيل متى[ii]، لأنه النص المعتمد في الصلوات، ولأنه يشمل النص من إنجيل لوقا، مع أن سياق الكلام مختلف في الحالتين.

تقسيم الصلاة الربانية

يمكن تقسيم نص الصلاة الربانية إلى مقدمة وقسمين كبيرين. المقدمة: “أبانا الذي”. القسم الأول، ابتهالات وطلبات موجهة نحو الله (متى 9:6-10)، والقسم الثاني طلبات من الله (متى 11:6-13). ويمكن تقسيم القسم الأول إلى ثلاثة ابتهالات: (1) ليتقدس اسمك، (2) ليأت ملكوتك، (3) لتكن مشيئتك، ويمكن تقسيم القسم الثاني إلى ثلاثة أو أربعة طلبات. أوريجانوس الإسكندري وترتليان يقسمانه إلى ثلاثة أقسام: (1) خبزنا كفافنا (2) اغفر لنا (3) ولا تدخلنا في تجربة. أما قبريانوس القرطاجي فيضع القسم الأخير في جزءين (أ) لا تدخلنا (ب) لكن نجنا. وهكذا يصبح لدينا سبعة أقسام للصلاة. في هذه المقالة اعتمدت تقسيم أوريجانوس وترتليان لأجل التبسيط أولًا، وثانيًا لأنني أرى أن القسم الأخير عبارةٌ متكاملة، لها جزء مكتوب بصيغة السلب (لا تدخلنا)، وجزء بصيغة الإيجاب (لكن نجنا).

مكانة الصلاة

الراعي البرونزي

نجد في أيامنا تساؤلات كثيرة عن الصلاة. هل هي فعالة؟ هل هي ضرورية؟ أهي فرض أم واجب؟ أهي وقت ممتع أو صراع مع الله؟ لكننا لا نجد هذه التساؤلات في الكتاب المقدس. ولا نجدها لدى المؤمنون الأوائل. فالمفهوم ضمنًا هو أننا نصلي، فالتلاميذ طلبوا من الرب يسوع أن يعلّمهم الصلاة (لوقا 1:11)، لأنهم رأوه يصلي، ولأنهم كانوا يعرفون أن يوحنا المعمدان علّم تلاميذه أن يصلوا. وفي النص السابق للصلاة الربانية في إنجيل متى، يُشير الرب يسوع ثلاث مرات إلى أن الصلاة جزء من الحياة، فيقول: “وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ” (متى 6:6)، “وَحِينَمَا تُصَلُّونَ” (7) “فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا” (9). لاحظوا أنه لا يقول: إن أردتم أن تصلّوا أو إن أحببتم، ولكن “متى” و”حينما” و”صلّوا”.

وإنه لمن المثير للاهتمام، أنه حتى في القرون الأولى للإيمان المسيحي، أهمل البعض الصلاة. فنرى القديس غريغوريوس النيصي في القرن الرابع في عظته عن الصلاة الربانية، يوبخ المؤمنين على تركهم للصلاة، ويقول إنهم أهملوا الصلاة وانشغلوا عنها تمامًا بسبب مشاغل الحياة. وهو يحثهم أن يُعيدوا للصلاة مكانتها، ومكانها هو قبل كل ما يعملون، لأن الصلاة ستمنعهم من أن يخطئوا في أعمالهم، فكيف يمكن للقاضي أن يظلم إن كان يُصلّي إلى الله الرحيم.[iii] لا يقول غريغوريوس لسامعيه كيف ومتى يجب أن يصلّوا، لكنه يشدّد على أهمية الصلاة.

ونجد وفي أيامنا الكثير من التعليمات والكتابات والمؤتمرات عن الصلاة، ومُعظمها حسن، لكن من كثرة التفاصيل ننسى أن نُصلّي! أمّا الحاجة فهي ببساطة أن نُصلّي. لا يهم أين ومتى، وفي أي ترتيب وباختيار أي كلمات، لكن المهم أن نكون في اتصال مع الله، لأنه مصدر كل ما هو صالح، ونحن نحتاج إليه. ويقول البابا شنودة[iv] إنه يمكن أن يكتفي المُصلّي بالصلاة الربانية “هذا إذا صلّاها بفهم وتأمل وعمق. أما إذا صلّاها بسرعة روتينية، ولم يشعر بروحانية الصلاة، يكون العيب في السرعة والروتينية، وليس في هذه الصلاة”. وفي هذه المقالة سنحاول أن نفهم ونتأمل ونتعمق في هذه الصلاة.

أبانا الذي في السموات – الإله القريب (متى 9:6)

في نداء “أبانا” يكمن التوجه الذي فيه نأتي إلى الله. نأتي ببراءة الأطفال وعفويتهم إلى أبينا، بلا مقدمات وبلا كلام مُنمّق وبثقة، لكي يلتفت إلينا، فهو حتمًا ينتظرنا. فذاك الذي يصفه يسوع بأنه يبحث عن الخطاة، كما يبحث الراعي الذي ترك التسعة والتسعين خروفًا، وبحث عن الخروف الضال الواحد. وكما يركض الأب بلهفة نحو ابنه الضال التائب، فكيف لا يلتفت إلى بناته وأبنائه الآتين إليه.

الراعي البرونزي

ويلفت القديس أوريجانوس انتباهنا إلى أن مناداة الله كأب لشعبه في العهد القديم، قليلة جدًا نسبة إلى العهد الجديد[v]. هذا لا يعني أن الله لا يوصَف كأب لشعبه، لكن مناداته في الصلوات بهذا الاسم شحيحة. أما مع مجيء يسوع في العهد الجديد، فنرى فيضانًا من الشواهد التي فيها ينادي يسوع الله على أنه أبوه، ويدعو تلاميذه أن يفعلوا كذلك. ففي صلاة يسوع في إنجيل يوحنا (17)، تتكرر عبارة “أيها الآب” وحدها ست مرات. كانت تلك صلاة يسوع من أجل التلاميذ ومن أجلنا للوحدة، وعندما نستخدم كلمة أبانا في جماعة المؤمنين، نشدد على حقيقة أننا موّحدون كإخوة وأخوات في المسيح، أُعطوا السلطان أن يكونوا أولاد الله بسبب إيمانهم بالمسيح.

ولكن كيف يمكن أن يلتفت الآب إلينا وهو في السموات؟ وهل عبارة “أبانا الذي في السموات” تجعل الله ذلك الشخص البعيد قريب؟ يقول الأسقف توم رايت (Tom Wright)[vi] في تعليق على صعود يسوع للسموات، إن علاقة السماء بالأرض في العهد الجديد، ليست علاقة تباعد وتنافر بل علاقة تماس دائم. ولذلك من في “السموات” يمكنه أن يكون حاضرًا في كل مكان في الأرض. ولذلك فإنه بصعود يسوع للسماء لا يبتعد عن تلاميذه، بل يزداد اقترابًا منهم. كذلك نستطيع القول إن الآب الذي في السموات (وليس في الهيكل أو في مبنى الكنيسة أو في أي مكان آخر على وجه الأرض فحسب، بل في كل الأرض) قريبٌ منّا أينما كنّا. وعبارة “أبانا الذي في السموات” تتحدث عن الإله القريب القريب وليس القريب البعيد.

لذا نستطيع أن تأتي إلى الآب بكل بساطة وعفوية، بكلمات نابعة من القلب ومن العقل المستنير بكلام الرب. في الوقت ذاته علينا أن نلاحظ أن العفوية لا تعني الاستخفاف بمحضر الرب، والبساطة لا تمنعنا من أن نفكّر عندما نتحدث إليه. عندما زرت كوريا الجنوبية لأول مرة في العام 2004، حضرت اجتماع كنيسة، وفي مرحلة ما صعد إلى المنبر الفرعي في الكنيسة شيخ من شيوخ الكنيسة، وابتدأ يقرأُ صلاةً كتبها على ورقة. وكان يقرأها بكل لهفة وخشوع. استغربت وسألت مُضيفي عن الموضوع، فقال إن هذه هي العادة في الكنيسة، بأن يكتب أحد الشيوخ صلاةً ويقرأها في اجتماع الكنيسة. فقلت في نفسي معترضًا، ألا يُفترض أن تكون الصلاة عفوية! لكنني فكرت أكثر في الأمر، وقلت ما الفرق بين ذلك الشخص وشخصٌ آخر يُطلب منه أن يُصلي الآن في الكنيسة دون تحضير مُسبق؟ ألا يُفكر الشيخ المُصلّي عفويًا بما يُريد أن يقول؟ وإن كان الأمر كذلك، أين الخطأ في أن يُفكر بما يريد أن يقول قبل اجتماع الكنيسة؟ أليس ذلك أفضل من أن يقف أمام الكنيسة ويكرر عبارات مُستهلكة، لأنه لا يعرف ماذا يُريد أن يقول؟ لست أطالب شيوخ الكنائس الإنجيليّة وأعضاءها أن يكتبوا صلواتهم يوم السبت، لكي يقرأوها يوم الأحد، لكنني أناشدهم، إن كتبوا صلواتهم وإن لم يكتبوها، أن يصلوا ببساطة وبرويّة وبعقل حاضر.

ليتقدس اسمك (متى 9:6)

وضّح الرب منذ بداية علاقته بشعبه في القديم، أن احترام اسمه أمر مهم. فيقول في الوصايا العشر “لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلًا، لأَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلًا” (خروج 7:20). فمن يستهين باسم الرب يتعدّى على الوصايا العشر. أضف إلى ذلك، أن الاستهانة باسم الرب لا تقتصر على نطق اسم الرب باستخفاف، بل تشمل أعمالًا تنجّس اسم الرب بين الناس، فنرى الرب يشتكي على إساءة شعبه لاسمه بهذه الكلمات: “فَلَمَّا جَاءُوا إِلَى الأُمَمِ حَيْثُ جَاءُوا نَجَّسُوا اسْمِي الْقُدُّوسَ، إِذْ قَالُوا لَهُمْ: هؤُلاَءِ شَعْبُ الرَّبِّ وَقَدْ خَرَجُوا مِنْ أَرْضِهِ” (حزقيال 20:36، انظروا أيضًا: رومية 24:2 وإشعياء 5:52). وفي المقابل يعلمنا الرب يسوع كيف يمكن أن نُحسن لاسمه عندما يقول: “فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.” (متى 16:5). إذًا بأعمالنا الحسنة نُمجّد اسم الرب، وهكذا يقول القديس جريجوريوس النيصي،[vii] إن أفضل الأعمال الصالحة هي تلك التي يتمجد اسم الرب بها في حياتنا. وتاليًا يُصبح نداءُنا “ليتقدس اسمك” نداء نجدة لكي يُساعدنا الرب على أن نجلب المديح لاسمه في حياتنا.

الراعي البرونزي

والسؤال الذي يجب أن يسأله من يُصلي هذه الكلمات لنفسه: ما الأعمال والأقوال التي أعملها والتي تجلب المديح لاسم الرب بين الناس؟

ثارت في العام 2019 ثائرة المسيحيين في حيفا، بسبب تماثيل مسيئة للمسيحية وللرب يسوع من صنع فنان فنلندي. واشتبك البعض منهم مع عناصر الشرطة الإسرائيلية.[viii] سأفترض أن هذه التماثيل كانت فعلًا مسيئة للمسيح، فهل كانت هذه هي الطريقة الصحيحة للاحتجاج على ذلك؟ هل مجدنا اسم المسيح حين صرخنا ونطقنا بعبارات لم يطلب المسيح أن نقولها كتلك النداءات الغريبة “بالروح بالدم نفديك يا مسيح”، أيحتاج فادي البشرية كلها من يفديه؟ ويُدهشني استبسال المسيحيين في الجدال، عندما يقول اليهودي عن يسوع “يشو” (ישו) وليس يشوع (ישוע)، لأن الأخيرة هي اسمه الحقيقي، وأما الاولى فقد تكون اختصارًا لثلاث كلمات في العبرية، وهي ימח שמו וזכרו أي ليمحي اسمُه وذكره. يُدهشني ذلك الاستبسال، لأنني لا أراه يُطبّق في أعمال تأتي بالمديح لذلك الاسم الذي يدافعون عنه: لا أراه في تشرذمنا وضعف وحدتنا. ولا أراه في ثقافتنا التي تُمجِّد “النجاح” المهني أو التعليمي، على حساب العلاقات العائلية والبشرية. فقبل أن نجادل الناس في تسميتهم لربنا ومُخلصنا، علينا أن نمجده بأعمالنا ومواقفنا. فتُصبح صلاتنا: يا رب مجّد اسمك في أعمالنا.

ليأت ملكوتك (متى 10:6)

تعوّد الناس في العالم المُتحضّر أن يروا انتقالًا سلميًا للسلطة من رئيس أو حاكم معيّن إلى آخر. لكن هذا أمر حديثٌ نسبيًا، ناهيك عن أن هناك الكثير من الأماكن في العالم التي لا يحصل فيها عادةً انتقال سلميٌ للسلطة حتى في أيامنا. ويلفت “وسلي هِل” نظرنا إلى أن عبارة “ليأتِ ملكوتك” في القرن الأول، كانت تجلب معها توقعًا لمَقْدِم سُلطة جديدة مصحوبة بكل مشاعر التوتّر الذي يجلبه ذلك التوقّع.[ix] فكيف فهم المستمعون ليسوع هذه العبارة. من المنطقي أن نظن أن تلك العبارة جلبت إلى مخيّلتهم جيوشًا تزحف، ونزاعًا وقتلًا وتطهيرًا لكل مُخلفات النظام القديم، فقبل أن يفرحوا بملكوت الرب الآتي ستأتي أيامٌ صعبة. وقد يُشير تساؤل يوحنا المعمدان في معتقله عن كون يسوع هو (المسيح) المُنتظر، إلى الحالة الفكرية السائدة (متى 3:11، لوقا 19:7) بين الناس نحو إتيان ملكوت السموات وطبيعته. فكانت إجابة يسوع لمُرسلي يوحنا “«اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا رَأَيْتُمَا وَسَمِعْتُمَا: إِنَّ الْعُمْيَ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجَ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصَ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمَّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينَ يُبَشَّرُونَ.” (لوقا 22:7). تحقق هذه الإجابة هدفين: الأول أنها تُظهر أن أعمال يسوع تُثبت أنه المسيح المُنتظر بحسب نبوات العهد القديم (انظروا إشعياء 61)، والثاني أنها تُشير إلى طبيعة ملكوت السموات المُختلفة عن توقعات الناس في ذلك الوقت[x]. وكأن يسوع يقول، إن ملكوت السموات يتحقق في ذلك الحدث أو المكان الذي فيه شفاءٌ من المرض، وتحريرٌ من العبودية، ونورٌ يبدّد الظلام، وانتصارٌ على الموت، وقبولٌ للمنبوذين، وبشارةٌ سارةٌ للمساكين. ولكن هذا الملكوت لا يأتي ككوكب ضخم يعترض مسار الأرض، فيضربها ويحرق كل ما فيها ليحدث التغيير فيها، بل يأتي كحبة خردل صغيرة جدًا، تُدفن في عمق الأرض ثم تُصبح شجرة كبيرة. ولذلك في قولنا ليأت ملكوتك، نحن أولًا لا نتوقع إتيان هذا الملكوت من لا شيء، فهو قد أتى لكننا نُصلّي أن يحققه الرب فينا، ومن خلالنا شيئًا فشيئًا في هذا العالم. وثانيًا، يجب أن نكون تحقيقًا لهذا الملكوت، بأن يكون وجودنا في بيئتنا عاملًا لشفاء الناس فيها، وتحريرهم من عبودية الخطية بكل أنواعها، وانتصارًا على الموت والخوف منه، وقبولًا للمرفوضين من المُجتمع، وأخبارًا مُفرحة للبسطاء. إن كان على الكنيسة الإنجيليّة أن تُمزّق قلبها في الصلاة، فيجب أن تصرُخ بهذه الطلبات وتحياها. فإن كانت الكنيسة قد حسمت النقاش أخلاقيًا في مواضيع شائكة كالإجهاض والمثلية الجنسية والتجنيد للجيش والطلاق على سبيل المثال، أو إن لم تحسم ذلك النقاش أخلاقيًا، فالسؤال الذي لا يقل أهمية، هو كيف ستتعامل الكنيسة مع هذه المواضيع رعويًا؟ إن كانت الكنيسة تعمل حسب عبارة “ليأت ملكوتك”، فيجب أن تُصلي للرب أن يمنحها المحبة والرحمة والنعمة، لكي تكون مصدر شفاء وتحرير وفرح ومشورة صالحة، لكل من يطرق بابها طالبًا المُساعدة.

لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض (متى 10:6)

إن نداء “لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض”، هو صرخة رجاء. فهذا النداء ضروري في عالم لا يُقدَّس فيه اسم الرب عادةً، ويبدو فيه عمل ملكوتِ الربِّ ضئيلًا، وقلّما تُصنع فيه مشيئة الرب[xi]. وهذا أمر متوقع في عالم يعيش فيه بشرٌ مخلوقون غير كاملين. لكن هناك أمران آخران مهمان للكنيسة في هذا التضرع الأخير المتعلق بالرب.

الأول، يقول القديس ترتليان إن في قولنا “لتكن مشيئتك” نحن نعترف أن مشيئة الله صالحة لنا، ونُقرّ بأننا سنتحلى بالصبر وسنخضع لها. كما في صلاة يسوع على جبل الزيتون عندما طلب من الآب أن يُجيز عنه تلك الكأس، قال الرب يسوع “وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ” (لوقا 42:22)[xii]. ولكن لاحظوا أن هذه المشيئة (الإرادة[xiii]) قد تكون صعبة، على المدى القريب على الأقل، لأن مشيئة الآب التي تحققت في يسوع كانت المُحاكمة والصلب.

الثاني، أن مشيئة الآب على الأرض تتحقق عندما لا نعمل نحن المؤمنون بيسوع المسيح، كما يقول القديس أوريجانوس، أي شيء معاكسٍ لتلك المشيئة.[xiv] وعلى الأرجح يتحدث أوريجانوس هنا عن مشيئة الله المُعلنة في الكتاب المقدس. فعندما نُصلي “لتكن مشيئتك”، نحن نعلن خضوعنا لمشيئة الله في كلمته.

هذان الأمران، الصبر على ما يحدث في العالم والالتزام للخضوع لمشيئة الله المُعلنة في كلمته، يجب أن تُصلّيها الكنيسة بروح الرجاء الذي يتوقّع مجيء المسيح لتتميم كل شيء. هذا الرجاء يجب أن يدفع الكنيسة أن تقاوم إغراء العالم الذي يستدرجها لمواجهة الشر بالشر والعنف بالعنف، وهي الأبواب الواسعة والطرق الرحبة التي تؤدي سريعًا للهلاك، بل تقاوم الشر بالخير والعنف باللاعنف، وأن تدافع عن الحق والعدل مهما كلّف الأمر، مُختارة بذلك الأبواب الضيّقة والطرق الكربة، التي تحتاج إلى طول أناة وصبر وثقة بالرب لكنها تؤدي إلى الحياة.

خبزنا كفافنا أعطنا اليوم (متى 11:6)

“خبزنا كفافنا أعطنا اليوم “هي أولى الطلبات من الله للحاجات المباشرة للإنسان. وفي هذه الطلبة سنتحدث عن أربعة أمور:

أولًا، الثقة اليومية[xv]. نحن البشر مخلوقون معتمدون على الله في تسديد احتياجاتنا الأساسية كل يوم. لاحظوا، أن هذا الطلب الوحيد الذي يتحدث عن أمور مادية في الصلاة. والخبز، في بلادنا، يمثل الطعام الأساسي الذي يحتاجه الغني والفقير. ولذلك نحن لسنا مُكتفين ذاتيًا، بل في كل يوم نحن نعتمد على الرب ونثق به في توفير قوتِنا. إن فعلنا ذلك لن نقلق بشأن الغد كما طلب منا الرب (متى 34:6).

ثانيًا، البساطة[xvi]. الكنيسة، كمؤسسة أو كأفراد، التي تطلب الخبز، لا يمكن أن تصبو إلى حياة البذخ والترف وتعظم المعيشة. لذلك لا مكان للاهوت الازدهار في الكنيسة. ولا مكان لتبرير هذا النوع من الحياة، بحجة أن الرب باركني بكثرة المال. وإن كان الرب قد وكّل أحدنا على أموال كثيرة، فيجب أن يستخدم هذه الأمانة لمصلحة أخيه الإنسان. وقد يكون هذا دور الغني في تحقيق “خبزنا كفافنا” للجميع.

ثالثًا، الاستقامة[xvii]. يقول جريغوريوس النيصي كلمات صعبة عن الشخص الذي يحصل على ما لديه بالخداع والظلم. يقول إن ذلك الشخص عندما يُصلي “خبزنا كفافنا أعطنا اليوم”، يسمعُه شخص آخر غير الله. لأن ثمر الإجحاف يُجنى من الطبيعة الشريرة المُناقضة لله. أمّا من يميل أذنه للعدل والاستقامة، فيجني خبزه من الله. وهذا يُطابق ما فعله الرب يسوع في التجربة في البرية. فعندما جرّبه إبليس ليصنع من الحجارة خُبزًا يسكت فيه جوعه، لم يسمع يسوع لصوته، ورفض أن يحصل على الخبز بالطريقة السريعة المُريحة التي ليس فيها ثقة بالآب: وقال “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله.” وهذا يقودنا إلى النقطة الرابعة.

رابعًا، الحاجة الحقيقية. أشار يسوع في إجابته لإبليس (تثنية 3:8) إلى حادثةٍ فشل فيها شعب إسرائيل بالاعتماد على الرب وتذمروا عليه، فأرسل إليهم المنّ من السماء، لكي يعرفوا أنه قادر أن يُشبعهم بما لم يتعبوا به، لكن ليس هذا ما سيحييهم بل كلمة الرب. أشار يسوع إلى هذه الحادثة أيضًا في الفصل السادس من إنجيل يوحنا، ووضّح لمستمعيه أن آباءهم أكلوا المن في البرية، لكن شأنهم كشأن أي إنسان اذ ماتوا. والطريقة الوحيدة التي سيحصلون فيها على الحياة، هي أن يأكلوا الخبز الحيّ النازل من السماء وهو الرب يسوع، الذي قال “أنا هو خبز الحياة”. يسوع هو حاجتنا الحقيقية، وهذا ما يجب أن نتذكره كلّما اشتركنا في عشاء الرب، وكلّما صلّينا الصلاة الربانية. إذًا نُصلِّي “خبزنا كفافنا أعطنا اليوم”، للتعبير عن الثقة اليومية والبساطة والاستقامة والحاجة الحقيقية إلى الرب يسوع، وإعلانًا راسخًا نواجه فيه عالمًا يجذبنا بالقوة تارةً، ويستدرجنا بالحيلة طورًا إلى “شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة” (1 يوحنا 16:2).

الصلاة الربانية بلغات مختلفة في كنيسة على جبل الزيتون-القدس

واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا (متى 12:6)

لكي نفهم معنى الغفران وأهميته، علينا أن ندرس باختصار شديد معنى كلمتَي “ذنوب” و”مذنبين”. استخدم متى الكلمتين اليونانيتين “ὀφειλήματα” (أوفيليماتا = ديون) و”ὀφειλέταις” (أوفيلِتِس = مدينون) وأما لوقا في الجملة ذاتها، استخدم كلمة “ἁμαρτίας” (همارتياس = خطايا) و “ὀφείλοντι” (أوفيلوندي = مدينون). ربما استخدم لوقا كلمة همارتيا (خطية) ليوضح للقارئ الأممي، أن الحديث هنا ليس عن دَين عاديّ، بل عن خطايا تجعلنا مدينون لله. ولكن معنى هذا الدَين يمكن فهمه بوضوح، إن قرأنا مثل العبد غير الغافر في متى (23:18-35) الذي علّمه يسوع في سياق سؤال بطرس الرسول له عن الغفران (متى 21:18-22). وهناك استخدم متى كلمة “ὀφειλέτη” (أوفيلِتي = مديون) لوصف العبد الذي كان مديونًا بعشرة آلاف وزنة (ما يقابل ميزانية إحدى الوزارات في دولة غنيّة في يومنا هذا)، الذي ترك له السيد دينه، لكنه رفض أن يغفر دين أخيه العبد الذين كان مديونا له بمئة دينار (أجرة عامل لثلاثة أشهر تقريبًا). ولن أدلي بدلوي في الجدل القائم حول طبيعة الإنسان الخاطئة بعد الإيمان، ولكن يكفي أن أشدد على حقيقتين: الأولى، أننا قبل الإيمان كنا خُطاةٌ لا نستطيع أن نُخلص أنفسنا، فمات المسيح لأجلنا. والثانية، أننا ما زلنا نُخطئ. وهاتان الحقيقتان تكفيان لجعلنا مدينين لله بما لا يمكن قياسه مع دين إخوتنا البشر لنا. وفي صلاتنا “اغفر لنا” نحن نعترف بذلك كل يوم، حتى وإن كنّا لا نتذكر بالتحديد إن كنا قد أخطأنا أو لم نُخطئ في ذلك اليوم. ناهيك عن أننا سنكون مُقصِّرين دائمًا في محبّتنا لله ولأخوتنا البشر[xviii]، فمن يستطيع أن يقول كل يوم بثقة إنه يحب الله وإخوته البشر من كل قلبه (لوقا 27:10)؟

لذلك، يجب أن يكون موقف الكنيسة المُصليّة موقف الغفران تجاه المُسيئين إليها، إن كانت مُضطَّهدة. وموقف أي مؤمن أو مؤمنة بالمسيح، يجب أن يكون الغفران لمن يُسيء إليهم. وأعتقد أن الغفران هنا يعني ألا نطلب الهلاك للمسيئين إلينا، وألا ننتقم لأنفسنا. ولا أرى أن الغفران يعني منح المسيء فُرصًا أخرى ليؤذينا، ولا أرى أن الغفران يعني تجنب مواجهة المُخطئ بخطيئته، سواء أكان مؤمنًا أو غير مُؤمن. لأنه لا بد من المواجهة والاعتراف بالخطية والغفران، لتطوير ثقافة المُصالحة في الكنيسة.

ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير (متى 13:6)

كيف يمكن ألاّ ندخل في تجربة؟ الرب يسوع نفسه جُرِّب من إبليس. يؤكّد القديس أوريجانوس[xix] أنه من المُستحيل ألا نُجرّب، فمعنى “لا تدخلنا في تجربة لكن نجّنا من الشرير”، هو ألا يسمح الرب للتجربة أن تكتنفنا، بحيث يُصبح من المُستحيل أن نخرُج منها، وهكذا نُصبح في يدي الشرير. يدعم أوريجانوس رأيه بقصة أيوب، فقد سمح الرب لإبليس أن يُجرّب أيوب بأصعب التجارب، لكنه منعه من أن يمس نفسه. ودعم رأيه أيضًا باقتباس مزمور 34 “كَثِيرَةٌ هِيَ بَلاَيَا الصِّدِّيقِ، وَمِنْ جَمِيعِهَا يُنَجِّيهِ الرَّبُّ” (19:34). فنجاة الرب لا تعني غياب التجارب والبلايا. لكنها تعني أن من يلتصق بالرب خلالها، لن يَسمح الرب بأن يُدفع ليدي إبليس. فما هي هذه التجارب وكيف نواجهها؟

قد تواجه الكنيسة (وأعضاؤها) تجارب واضحة كالاضطهاد العنيف. وقد حدث هذا في الماضي، لا سيّما في القرون الثلاثة الأولى، ويحدث في الحاضر. ورغم الفكرة الشائعة أن الاضطهاد يُقوي الكنيسة، وكثيرون منّا استخدموا عبارة ترتليان الشهيرة “دم الشهداء هو بذار الكنيسة”[xx]، لكن المؤرخ خوستو غونزالس يَذكر أن عدد العاثرين الذين خضعوا لشروط المُضطهدين في شمال أفريقيا، وسلّموا الكتب المُقدسة التي كانت بحوزتهم، كان كبيرًا (فعليًا نكروا المسيح).[xxi] كانت هذه هي الأزمة الأولى في الأمر، لكن الأزمة الثانية كانت في أن العاثرين أرادوا أن يعودوا للكنيسة بعد أن انطفأت نيران الاضطهاد. وسبّب قبولهم ثانية في الكنيسة أو رفضهم، انشقاقًا كبيرًا في الكنيسة (أزمة الدوناتيين). لم يُقوِّ الاضطهاد الكنيسة إذًا، بل أضعفها. ولذلك، فإن الفكرة “الرومانسيّة” التي ترى أننا نحتاج إلى اضطهاد لكي يقوّي إيماننا ليست دقيقة، بل نحتاج أن نُصلّي لكي يقوّي الرب إيماننا في فترات السلام، وأن يُثبتنا في الإيمان في فترات الاضطهاد.

لكن الخطر الأكبر على الكنيسة على ما أعتقد، هو أن تفقد الكنيسة هويتها دون أن تشعر بذلك. فالكنيسة موجودة في العالم، لكنها ليست من العالم، وهي مُرسلة إلى العالم. وإرساليتها تشمل البشارة بالإنجيل، وتشمل الصوت النبوي كذلك. لكن ماذا سيحدث عندما تصبح قيم العالم هي نفسها قيم الكنيسة؟ ماذا سيحدث عندما تُدار الكنيسة بالقوة وليس بالنعمة، وبالمنافسة وليس بالمحبة، وبالإنجازات الظاهرة للعيان وليس بالإيمان العميق؟ إن الإجابة على ذلك هي: سيكون لها عندها اسم بأنها حية، لكنها بالواقع ميتة وبلا تأثير في العالم. وعندما يأتي الاضطهاد سيظهر ضعفها بسرعة. ولذلك، يجب أن تكون صلاة الكنيسة،” يا رب افتح أعين قلوبنا، لكي نكون حساسين لصوت روحك القدّوس عندما ينبهنا، لكي لا نُشاكل هذا الدهر، وتكون قيمنا قيم ملكوت السموات”.

تمجيد للرب وخلاصة، لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد آمين

نحن نأتي إلى الآب بكل ثقة لأنه الله الخالق، هو صنع هذا العالم، ويعرف كيف يجب أن يُدار. وقد اختار الرب الكنيسة من أجل العالم، وأرسلها للعالم. ولكي تُحقق الكنيسة دعوتها، يجب أن تُصلّي واثقة أن صاحب المُلك والقوة والمجد، سيستجيب لطلباتها المرفوعة أمامه في سياق تلك الدعوة، وفيما يُلائم الأخبار السارة التي وُكِّلت عليها.

قد يبدو ما كتبته عن الصلاة معقّدًا بعض الشيء، لكنه ليس كذلك، فإننا ببساطة نُصلّي رسالة إنجيلنا، وعمق صلاتنا كعمق رسالة إنجيلنا. وما حاولت فعله، هو فهم هذه الصلاة العميقة في معانيها بالرغم من قصرها. وما فهمته هو أننا نُصلّي بحسب الإنجيل الذي نُبشر به وتعلمناه، ولكي نُصلّي بحسب إنجيل المسيح يجب أن نفهمه. على سبيل المثال، نحن نُصلّي إلى الله الذي خلّصنا بيسوع المسيح، وليس لإله يُريد أن يُديننا؛ نحن نُصلي لإله يُحب العالم وأرسلنا إليه، وليس لإله يريدنا أن نُصبح مجموعة يحب أعضاؤها أنفسهم ويكرهون الآخرين. نعم، يأتي الأطفال إلى أبيهم ويجلسون في حضنه، ويتكلمون بكل عفوية. لكن لاحظوا أن الأولاد لا يقولون كلامًا بلا معنى، فرغم محدودية تعبيرهم عن أنفسهم، إلا أنهم يعبرون عن حاجاتهم، لأنهم يعرفون أن أباهم يسمعهم، ويستطيع مساعدتهم. أُصلّي لكي نعود ونصبح كالأطفال في ثقتنا في الرب، وفي عفويتنا، ولكن ليس كأطفال

“مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيم بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ. بَلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ، الَّذِي مِنْهُ كُلُّ الْجَسَدِ مُرَكَّبًا مَعًا، وَمُقْتَرِنًا بِمُؤَازَرَةِ كُلِّ مَفْصِل، حَسَبَ عَمَل، عَلَى قِيَاسِ كُلِّ جُزْءٍ، يُحَصِّلُ نُمُوَّ الْجَسَدِ لِبُنْيَانِهِ فِي الْمَحَبَّةِ” (أفسس 14:4-16).

في خضم جائحة الكورونا التي عصفت بنا وأبعدتنا عن صلاتنا الجماعية، فإن صلاة بولس الرسول هذه في رسالة أفسس، هي صلاتي إلى الآب، من أجل الكنيسة الإنجيليّة في الأراضي المقدسة خصوصًا، ومن أجل كنيسة الرب في العالم. وهو قادر أن يستجيب لها، لأن له “المُلك والقوة والمجد إلى الأبد” آمين.

ملاحظات الفصل


[i]Tertullian: On Prayer. Visited on 1.2.2021, available at:

https://www.newadvent.org/fathers/0322.htm.

[ii]النص اليوناني للصلاة الربانية في إنجيل متى نص صحيح وموجود في المخطوطات اليونانية القديمة والأكثر مصداقية. أما الجملة الأخيرة “لأن لك المُلك والقوة والمجد إلى الأبد آمين”، والمعتمدة في الصلوات في الكنائس، والموجودة في نسخة الفاندايك، الأكثر شيوعًا لدى القارئ العربي، والموجودة بين قوسين في الترجمة العربية المشتركة، فهي غير موجودة في النسخ القديمة الأكثر مصداقية، بل يبدو أنها أضيفت في فيما بعد كجزء من نظام العبادة في الكنيسة، ثم أصبحت جزءًا من النص. فنحن نجد أجزاءً مختلفة من هذه الجملة في مخطوطات مختلفة متأخرة، لكن لا نجد أي ذكر لهذه الجملة في المخطوطة السينائية، ولا في المخطوطات اللاتينية القديمة، ولا في التفسيرات التي كتبها الآباء الأولون، أمثال ترتليان وأوريجانوس وقبريانوس. هل هذا يعني أنني لن أستخدم هذه الجملة في نهاية هذه المقالة. الإجابة هي لا ونعم. لا، لأنني لن أخوض في تفسير معانيها كثيرًا، لأنها كما يبدو ليست جزءًا من النص الأصلي. ونعم، لأن هذه الجملة صلّاها ومازال يصليها ملايين المسيحيين في العالم، وهي في جوهرها جملة صحيحة ومناسبة لختام هذه الصلاة. للمزيد من المعلومات عن تاريخ الصلاة الربانية واعتمادها في النصوص الليتورجية يمكن قراءة مقالة قصيرة في الموسوعة الكاثوليكية في الرابط الآتي:

https://www.newadvent.org/cathen/09356a.htm.

وللمعلومات عن المخطوطات الكتابية والكتابات المسيحية القديمة، التي وردت فيها الجملة الأخيرة يمكن الاطلاع على:

Bruce Metzger. A Textual Commentary on the Greek New Testament. Second Edition. (London: United Bible Societies, 1994), 13-14.

[iii]Gregory of Nyssa, The Lord’s Prayer: Homily 1. Visited on 1.2.2021, available at https://www.orthodoxprayer.org/Articles_files/GregoryNyssa-Homily1%20Lords%20Prayer.html.

[iv]البابا شنودة، أبانا الذي في السموات. نسخة إلكترونية. تم الاطلاع عليه في تاريخ 7 شباط 2021 ، متُاح على:

https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online/71-Abana-Allathy-Fel-Samawat/Our-Father-Who-Are-in-Heaven-04-Abana-2.html

[v]Origen, On Prayer, Chapter XIII. Christian Classics Ethereal Library, visited on 10.2.2021, available at: https://ccel.org/ccel/origen/prayer/prayer.xiii.html.

[vi] Tom Wright, Surprised by Hope (New York: Harper Collins, 2008), 189-206.

[vii]Gregory of Nyssa, The Lord’s Prayer: Homily 3. Visited on 10.2.2021, available at:

https://www.orthodoxprayer.org/Articles_files/GregoryNyssa-Homily3%20Lords%20Prayer.html.

 [viii] خبر صحفي عن مُظاهرة في حيفا. تم الاطلاع عليه في 15 شباط 2021. مُتاح على https://ar.timesofisrael.com:

https://bit.ly/3fEWZ5R.

[ix]Wesley Hill, The Lord’s Prayer: A Guide to Praying to Our Father (Bellingham, WA: Lexham Press, 2019), 26.

[x]لا يمكن هنا الاستفاضة في معنى عبارة ملكوت السموات وطبيعة هذا الملكوت. لأن الأمر يتطلب دراسة أجزاءٍ كبيرة من إنجيل متى خصوصًا والأناجيل الإزائية عمومًا. يكفي أن نقول إنها عبارة حصرية لمتى ولا تختلف عن عبارة ملكوت الله في مرقس ولوقا. لهذا الملكوت مواصفات معينة مُفصلة في الأناجيل، فلا يبدو أن له حدودا جغرافية أو شروط قبول عرقية، بل هو دعوة للمخلوقين أن يُشبهوا خالقهم في كل شيء.

[xi]David Wells, “Prayer: Rebelling Against the Status Quo” (Christianity Today, November, 1979), 32-34, quoted in Hill, 31.

[xii]Tertullian: On Prayer. Visited on 15.2.2021, available at:

https://www.newadvent.org/fathers/0322.htm.

[xiii]تستخدم ترجمة الفاندايك كلمة “إرادة” لترجمة الكلمة اليونانية “θέλημά” في لوقا 42:22 وهي الكلمة ذاتها التي تُترجم “مشيئة” في متى 10:6، تتبعها في ذلك الترجمة العربية المُشتركة. أما الترجمات البولُسية واليسوعية وكتاب الحياة، فتستخدم كلمة “مشيئة” في الحالتين.

[xiv]Origen, On Prayer, Chapter XVII. Christian Classics Ethereal Library, visited on 25.2.2021, available at: https://ccel.org/ccel/origen/prayer/prayer.xvii.html.

[xv]Hill, 35.

[xvi]Gregory of Nyssa, The Lord’s Prayer: Homily 4. Visited on 20.2.2021, available at:

https://www.orthodoxprayer.org/Articles_files/GregoryNyssa-Homily4%20Lords%20Prayer.html

[xvii]المصدر السابق.

[xviii]Hill, 42.

[xix]Origen, On Prayer, Chapter XX. Christian Classics Ethereal Library, visited on 22.2.2021, available at https://ccel.org/ccel/origen/prayer/prayer.xx.html.

[xx]Tertullian, Apologeticum, visited on 23.2.2021, available at: http://www.tertullian.org/works/apologeticum.htm.

[xxi]Justo Gonzales, The Story of Christianity: Volume1, revised and updated (New York: Harper Collins, 2010), Kindle Edition.

  • بيير طنوس: مدير دائرة الدراسات الدوليّة في كلية الناصرة الإنجيلية. ومعلم في كلية بيت لحم للكتاب المقدس. وقد حاز على البكالوريوس (BS) في هندسة المساحة من الكلية التكنولوجية في حيفا (التخنيون) في العام 1999. ثم حاز على الماجستير في الخدمة المسيحية (MDiv) من جامعة تورتش ترينيتي في كوريا الجنوبية في العام 2007 بدرجة تميّز. وقد بدأ يعلّم دراسات الكتاب المقدس في كلية بيت لحم للكتاب المقدس وكلية الجليل للكتاب المقدس في العام 2008. وأيضًا يخدم في الوعظ والتعليم والإدارة الكنسية في كنيسة جماعات الله في حيفا. وهو مرشد سياحي مُرخّص منذ العام 2020. يسكن بيير في مدينة حيفا مع زوجته روان وابنه إدوار وابنته نور.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content