فلسطينمقالات

العلنية مقابل التستر في حالات الاعتقال الداخلي- قضية القس جوني مثالاً

الراعي الذهبي

داود كُتّاب– خاص ب ملح الأرض

يعتبر أي اعتقال أو توقيف لأي مواطن من أبناء نفس الجلدة أمراً صعباً، وفي حال وقوعه تكون نسبة التدخلات المحلية واسعة ومكثفة في حين يجري في الغالب النصح بعدم النشر أو إدخال الموضوع المحلي في دائرة الرأي العام. ويقول مؤيدو هذا التفكير أن النشر قد يعقّد الأمور ويؤخر حصول الشخص على الإفراج لأن النشر ،وخاصة على مستوى وطني أو خارجي في قضية محلية بحت، تعتبر محاولة للضغط من الخارج في أمر هو أمر داخلي اساساً.

فكرت في هذا الموضوع مؤخرا بعد استمرار اعتقال القس جوني شهوان لمدة تزيد عن شهر على إثر قضية خارجة عن إرادته، وفي أقصى حد خطأ يمكن اتهامه له- عدم إدراكه بأمر خطير تورط فيه دون معرفة.

لمن لا يعرف القضية- فقد كان القس جوني يقدم محاضرة أمام نزلاء ألمان في المركز المجتمعي الذي أقامه لخدمة أبناء بلده بيت جالا حين دخل متطرف يهودي يبدو أنه على معرفة بأحد النزلاء الألمان- والذي كان بكل سذاجة قد دعاه لجمعية بيت اللقاء حيث كان الحضور ضيوف  وتم ترتيب ضيافتهم من خلال شركة سياحية تعمل على حجز فنادق لمجموعات سياحية.

بيت اللقاء- بيت جالا

المتطرف اليهودي وصل في منتصف المحاضرة. في نهايتها تم أخذ صورة جماعية للمجموعة والقس جوني ، فقام المتطرف بإقحام نفسه. وثم جاء لأخذ صورة سيلفي مع القس شهوان دون أن يدري القس من هو. لاحقاً قام المتطرف بالتبجح بتلك الصورة على موقعه عبر السوشل ميديا -الأمر الذي خلق بلبلة واتهام بأن القس شهوان “مُطبع” وأنه دعا المتطرف للحضور.

الراعي البرونزي
جوني شهوان
القس جوني شهوان

الهجمة الشعبية والتي شيطنت القس دون معرفة الحقائق أدت بالسلطة الفلسطينية المحلية لاعتقال القس وتسكير جمعية بيت اللقاء، رغم أن الجمعية أصدرت بيانا أوضحت عدم معرفتها ومعرفة مؤسس الجمعية بالشخص المذكور. الجهات الأمنية الفلسطينية كان بإمكانها التأكد من الموضوع خلال يوم أو يومين ولكنها لم تعمل ذلك الأمر وهو أمر ساهم في استمرار التوقيف و ادى الى رفض ثمانية مطالبات بالإفراج بالكفالة. 

البعض نقل عن السلطات الفلسطينية إنها تحتجز القس لحمايته رغم أن استمرار الاعتقال ساهم في تثبيت التهمة المغرضة. ولم تتقدم السلطات بأي بيان للعلن تبرئ فيه القس من تهمة معرفة المتطرف أو أن له دور في دعوته للجمعية في بيت جالا.

المهم في الموضوع هو دور الإعلام في توضيح الحقائق وهنا بيت القصيد. 

فقد أطبق الإعلام ستارة من الصمت ولم يتم نشر أي تصريح لأي مسؤول في الأمن أو النيابة العامة ومن الغريب أن المجلس الأعلى للكنائس وآخرين من السلطة نصحوا عائلة القس وبإصرار أن الأفضل عدم نشر أي مادة في الإعلام المحلي أو على السوشل ميديا لأن ذلك سيعقد الأمور وسيطول التوقيف وقد التزمت زوجة القس بذلك بل طالبت الجميع عدم النشر ضنا منها ان الصمت يساعد والعكس هو الصحيح كما ولم تتكلم مع اي اعلامي.

لقد شكل الصمت المقترن باستمرار الاعتقال ورفض التكفيل شكل من أشكال تثبيت تهمة كان مصدرها شعور شعبي مبني على صورة تم استغلالها من قبل البعض لأهداف لا علاقة لها بالمشكلة.  

الراعي البرونزي

الغريب أنه تبين فيما بعد إن عدد ممن ادّعوا أنهم يتواصلون للدفاع عن القس، ومنهم من كانوا في نفس الوقت يقدمون الرأي المعاكس للمحافظ والنيابة العامة، واستمرت المطالبات الحثيثة بالصمت رغم أن الصمت لم يجلب سوى تمديد في الاعتقال. 

ان الخوف على حياة القس ليست حجة لاستمرار الاعتقال. فالدولة مسئولة عن حماية مواطنيها في بيوتهم، لا في السجون. فهذه الحجة مردودة على من يدّعيها. كان من الممكن تقديم اقتراح أن يأخذ القس إجازة أسبوع أو أسبوعان في ألمانيا أو أي مكان آخر، ولكن لم يكن هناك من له الشجاعة في قول الحق ويبرأ القس وبقي رأي الشارع مقتنع ان الزيارة كانت مرتبة من قبله لذلك فان من طلب الصمت لم يكن موفق وبشكل غير مباشر ساهم في استمرار اعتقاله لمدة طويلة جداً جداً.

قد تتبين فيما بعد كافة أسرار هذا الاعتقال غير المنطقي لرجل كرّس حياته لخدمة بلده، كما سيحكم التاريخ على من استفاد من هذا الصرح الذي أقامه ثم انقلب على المؤسس بصورة بشعة،

والأهم أن سيادة الرئيس محمود عباس والذي ادّعى كثيرون أنهم تواصلوا معه، لم يكن يعرف عن الموضوع سوى في الأيام الأخيرة والتي بعدها جرى إطلاق سراحه بناء على اوامره، مما يعني أنه لو كان الموضوع والاحتجاجات قد تم نشرها وكان الموضوع متداول فيه في الرأي العام، لما كان الرئيس قد تفاجئ من الموضوع بعد مرور شهر ونيف، رغم معرفة الجميع وبحق أن الرئيس يدافع بشراسة عن حقوق المسيحيين في بلادنا.

لا شك أنني أتفهم شعور عائلة القس وأتفهم تخوف البعض من النشر غير المتزن الذي قد يضعف الموقف ولكن ألم يكن من الشجاعة قيام مسؤول على دراية في مجريات التحقيق من اليوم الأول الإعلان أن القس لم يكن يعرف المتطرف؟ ألم يكن يستطيع أبناء جلدته من سكان بيت جالا الذين يرسلون أولادهم يوميا للاستفادة من مرافق الجمعية، أن يقوموا ويعتصموا أمام مقر الاعتقال كونهم على دراية ومعرفة بالقس جوني ويعرفون معدنه الوطني الصادق، وبذلك كان من الممكن وأد الفتنة من اليوم الأول؟!

الراعي البرونزي

آمل أن يتم إجراء جرد حقيقي لمن قام بموقف جاد وصادق ومن ادّعى بذلك وقام بالتحريض والطلب من المحافظ والنيابة العامة غير ذلك.

********************************

الكاتب صحفي فلسطيني من القدس وناشر موقع “ملح الأرض”

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content