الجليلالمانشيت الرئيسيشخصيات مسيحيةفلسطينمقالات

المزاودة الوطنية والدينية-الروحية، وما بينهما!

بقلم: بطرس منصور

اعتدنا على تراشق الاتهامات بين القوى السياسية حول طرح حزب مثلًا لما يراه مسلّمات وثوابت لا يمكن تجاهلها او تخطيها. بحسب الحزب يتوجب على كل القوى الخضوع لها والرقص على انغام موسيقاها. وقد تكون هذه الثوابت مقاطعة لفئة ما او رفض لاقتراحات تسوية وغيرها. وبها تكون مزاودة على الاحزاب الاخرى بحكم كونها هي صاحبة “الوطنية الحقيقية” وبالتالي تتهم الآخرين ممكن تسوّل لهم نفسهم بالانحراف عنها، بالمهادنة والتفريط والمساومة. وكثيرا ما يضيف حامل مواقف المزاودة السياسية عبارات التخوين ضد من يختلف معه. فرأيه هو الصحيح والمستقيم ولا سواه. اما الاحزاب التي تُتهم بالتفريط بالثوابت فتدافع عن نفسها وتردّ الصاع بالقول ان مواقف المزاودين متطرفة او راديكالية او متهورة او مثالية.

لسنا بصدد الحكم ايهما ادق او اصح فالسياسة هي اصلا فن الممكن، ولكل موقف حديث يتعلق بالزمان والمكان والقيم التي نعتبرها.

لكن هناك مزاودة اخرى في مجال هو بطبيعته يسعى للمطلق- وهو المجال الديني بين الاديان والطوائف.

وحيث ان ارضاء الله وتطبيق تعاليمه هي هدف الدين اصلا، فللوهلة الاولى يتخيّل المرء ان المزاودة ستصبح منافسة فيمن اكثر حبًا لله، ولكن هيهات. انها تصبح حرب عشواء يكون الله منها برّاء. فيطلق المزاود الديني تصريحه بأنه الاقرب الى الله وكل من اختلف معه مصيره الفناء.

 اما المزاود الطائفي فيدّعي انه الاصح والاقرب على ما طلبه الله من كنيسته. ويقول صراحة او بالتلميح ان عقيدة او اسلوب حياة ابناء الطوائف الاخرى يعتريها الوهن والمساومة. ونجد ذلك ليس على صعيد الطائفة والاخرى فحسب، ولكن على صعيد شخصي فرداني بين مسيحي وآخر في ذات الكنيسة ايضًا.

ويعزي المزاود المزعوم استعلاءه بانه “اعتمد بالروح القدس” او انه “تكرّس للرب” او “انه يعيش حياة قداسة كاملة” او انه “يفصّل كلمة الحق بالاستقامة” او انه “ملتزم ومكرّس ويخدم ويصلي لساعات فمن هنا هو الاقرب لله”… والمثير للعجب انه بمجرد “المزاودة الروحية” فقد ادخل المزاود المدّعي للروحانية او التدقيق الزائد (وحتى المبالغ به) هدفًا ذاتيا في مرماه وخسر ” المركز” الذي ادّعاه. فالفريسي في مَثَل الفريسي والعشار في الانجيل (لوقا 18: 9-14) خسر كل الامتيازات التي عزاها لنفسه في لحظة الافتخار بها. الايمان المسيحي يطلب حياة مدقِقة وغير مساوِمة. لكنه يحذر من مغبة ليس الافتخار بها ومقارعة الآخرين بخصوصها والمزاودة عليهم فحسب، وانما ان تطغى روح الكبرياء الروحي المستتر علينا ايضًا.

لا يطالبنا ايماننا ان نجري المقارنات فيمن يدقق في السلوك مع الآخرين وانما ان نقدم سيرة حياة متواضعة تعيش حسب قلب الله كذبيحة حياة مقدسة مرضية امامه ( رومية 12 :1).

وهناك صنف آخر هي المزاودة في المواضيع العملية الاجتماعية او السياسية النابعة من عقيدة ايمانية. فتجد من يزاود بان الموقف المسيحي الصحيح هو في موقف سياسي يؤكد العدل وانصاف المظلوم ويدعو للعمل جاهدين لأحقاقه ونعت كل من يتخلف في ذلك بالمهادن او المتخاذل. لكن آخر يتخذ موقفًا يطلب “بالحيادية” وحتى التنسك عن الشؤون السياسية وبهذا هو ايضًا يزاود اذ يدّعي الروحانية الزائدة التي تترفع عن الانخراط في موقف سياسي، رغم اني شخصيًا اثق ان الممتنع عن السياسة منخرط هو بها بإحجامه عنها فيدعم الموقف السياسي القائم.

هكذا يقع طرفا النقيض بالمزاودة وسبب ذلك هو التوجة القلبي والقناعة التامة بصحة الموقف الذي تترجم لكبرياء.

لا انفي ضرورة الاجتهاد والنقاش الحر في اتخاذ مواقف في خط التماس بين الروحي والاجتماعي ( وحتى السياسي).

ولكن يمكن للمواقف الحازمة المبنية على القناعة الشديدة ان تخرج من حيز المزاودة البغيضة فقط بموقف قلبي يتبنى موقفًا مسيحيًا متزنًا ً. موقف كهذا يحوي في خلجاته قبول للتعلّم ويسعى ليرى اعتبارات الآخرين في مواقفهم اضافة لوعي لمحدودية المواقف وكونها قابلة للتغيير والتعديل.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content