المانشيت الرئيسيمقالات

الوحدة المسيحيَّة ضرورية في الفعل وليس الكلام

الراعي الذهبي

بقلم: ربى ريحاني*

يتوافق اليوم العالميُّ لحقوق الإنسان مع الاحتفال بالأعياد المجيدة، فالعدالة الاجتماعية والمساواة هما المحرِّكان الرَّئيسان للعيش الكريم لكلِّ إنسان بصرف النَّظر عن عرقه أو جنسه أو دينه.

لقد أعلنت السماء عن محبة الله للجنس البشري دون تمييز وتفرقة، فكانت رسالتها واضحة لكل البشر، كما جاء في لوقا ٢: ١٠-١١: “فقال لهم الملاك: لا تخافوا! فها أنا أبشِّركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب: أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلِّص هو المسيح الرب.” وبعد هذا الإعلان صدحت الملائكة قائلة في عدد ١٤: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرَّة”. فعندما نتحدَّث عن أهمية الوحدة المسيحية، يجب أن نعود إلى مصدر هذه الوحدة وهو المسيح رئيس السلام، فكافة المسيحيون متَّفقون ويؤمنون بأنَّ جوهر الإيمان المسيحي هو الخلاص بالمسيح والحياة الأبدية المُعَدَّة للمؤمنين به.

نلاحظ في قصَّة الميلاد أنَّ دعوة الميلاد ظهرت لفتاة ريفيَّة، ولزكريا الكاهن، ولرعاة بدو، ومجوس شرفاء. فبشارة الميلاد احتضنَت فئاتٍ مختلفة من المجتمع توحَّدَت معًا تحت ظلِّ رسالة واحدة.

فأهمية وحدة المسيحيين يجب أن تكون قائمة على أساس قبول الاختلاف والآخر، والتواضع، والوداعة، والطاعة لدعوة الله. وهذه الوحدة تتمثَّل في دعم الطوائف المختلفة لبعضها البعض وتجسيد المواطنَة الصالحة المبنيَّة على العدالة، والمحبة، والمسامحة، والمساواة.

الراعي البرونزي

إنَّ ضرورة صمود المسيحيّين ووحدتهم أمام التيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المضطربة تلعب دورًا كبيرًا في عدم زعزعتهم والعبث بأمنهم وأمانهم. فنحن المسيحيّين جزء لا يتجزَّأ من النسيج العربيّ، ووحدتنا تنعكس إيجابًا على وحدة الأمة العربيَّة، وعروبتنا تعزِّز وجودنا وتحمي حقوقنا. إنَّ وحدة الصف المسيحي يجب أن تُستمَدَّ من ١ بطرس ٢: ٩-١٠:

“وأما أنتم فجنس مختار، وكهنوت ملوكي، أمة مقدسة، شعب اقتناء، لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب. الذين قبلًا لم تكونوا شعبًا، وأمّا الآن فأنتم شعب الله. الذين كنتم غير مرحومين، وأمّا الآن فمرحومون”.

يجب أن نبرهن هذه الوحدة لا بالكلام بل بالفعل والقول. إذا كنا نريد العدالة، فلنمارسها على أنفسنا أوَّلًا، وإذا كنا نطالب بالمساواة كحقٍّ شرعيٍّ؛ لنطبِّق هذا المبدأ على أنفسنا. إذا كنا نريد أن تكون هويتنا واحدة؛ فلنكفَّ عن التفرقة وممارسة نزعة “أنا لبولس وأنا لأبُلُّوس”! إنَّ وحدة المسيحيّين تعني وجودَ كيان قائم لا يزعزعه أيُّ خلل داخليًّا كان أم خارجيًّا.

 كيف نصل إلى الوحدة المسيحية؟

أفضل الطرق للوصول إلى الوحدة المسيحية بطوائفها المتعدِّدة والمنتشرة داخل خارطة الوطن العربي هو أن نتَّحد من الداخل ونتَّفق على استراتيجية واحدة ثابتة لا تتغيَّر بتغيير مَن هم على رأس الهرم، وهذا الاتحاد يُتَرجَم أوَّلًا داخل صفوف كلِّ طائفة على حِدة، ومن ثمَّ العمل على إزالة الخلافات ومشاركتها وبقية الطوائف المحلية والإقليميَّة، مركِّزين على جوهرنا الواحد وهو المسيح. فوحدة الكنيسة هي جزء من وحدة المسيحيّين، وعكس ذلك هو انفصال وخلاف.

الراعي البرونزي

إنَّ أفضل الطُّرق التي ستعمل على بناء الوحدة هي:

1. اعتراف الطوائف ذات الأغلبية الكبيرة بالطوائف ذات الأقليَّة داخل منطقة جغرافية أو إقليم معين، فالعمر التاريخيُّ لأيِّ طائفة مسيحية لا يجب أن يعطيها الأحقيَّة بالسيطرة والهيمنة، فنحن لسنا في مباراة ننتظر نتيجة الفوز إنما في مهمَّة سماويَّة نترجمها بسلوكنا على أرض الواقع.

2. اتِّباع الأوامر السماوية- وليس السياسيَّة- والوقوف أمام أيِّ قرارات صادرة عن أيِّ قيادة عُليا لأيِّ دولة؛ فالقرار يجب أن يكون للمسيحيّين وليس للمرؤوسين في تحديد مصيرنا وتهديد وحدتنا. فالوحدة المسيحيَّة يجب أن تكون ندًّا للسياسية وليست حليفًا لها على حساب المصالح الخاصَّة، كما يُقال: “الجميع للواحد والواحد للجميع”.

3. توحيد الشؤون التشريعية والشرعية تحت مظلَّة محكَمة واحدة لا طائفيَّة، وهذا يتطلَّب دراسة قوانين كلِّ طائفة على حِدة ثم إعادة صياغتها. إنَّ توحيد المحاكم الكنسيَّة سيعمل على تطبيق المساواة لكافة المسيحيّين بنزاهة خالية من أيِّ شكل من أشكال الفساد التشريعيِّ.

4. عند وضع قوانين مسيحيَّة مستنِدة على الكتاب المقدس- وليس على العادات والتقاليد- سيُطبَّق مبدأ عدم التفرقة في الميراث وعدم التفرقة بين الجنسين، وستسهل إجراءات الزَّواج والطَّلاق والحدّ من العنف، وهكذا تتوحَّد وتُبنى الأسرة المسيحيَّة الصِّحِّيَّة الخالية من القهر والظُّلم.

الراعي البرونزي

نعم للوحدة ونعم للعيش الكريم، وكلُّنا نعم للمسيح. فلنكن نورًا وملحًا على الأرض، وإنجيلًا مشهودًا له ومقروءًا أمام كلِّ البشر كما جاء في يوحنا ٣٥:١٣ “بهذا يعرفُ الجميعُ أنّكُم تلاميذي: إن كانَ لكم حبٌّ بعضاً لبعضٍ”

******************************************************

ربى ريحاني مدير تنمية الموارد – مؤسسة آكتس مدير مركز المرأة العربيَّة اليوم عمان – الأردن

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content