مقالات

حقوق وواجبات الزوجين في القوانين الكنسية

الراعي الذهبي

*المحامي الدكتور فراس عازر

سأتطرق في هذا المقال لحقوق وواجبات الزوجين تجاه بعضهما البعض نظراً لما يلمسه الجميع في السنوات الأخيرة من ازدياد ملحوظ في أعداد القضايا المنظورة أمام محاكمنا الكنسية على اختلافها في الأردن والارتفاع في  القضايا المتضمنة طلب فسخ الزواج أو بطلانه أو إبطاله وحسب تكييف الدعاوى في المحاكم الكنسية المختلفة.

 أن معظم قضايا فسخ أو بطلان الزواج تنشأ نتيجة الخلاف بين الزوج والزوجة في مفهوم وجوهر الزواج وما يرتبط بهذه الخلافات من تدخلات أسرية قد يكون لها دور وأثر مباشر في انحراف جوهر هذا الزواج عن هدفه الذي تعاهد الطرفين عليه وما أسسا له.

وما يجب أن يدرك أن كل الحقوق والواجبات الملقاة على عاتق الزوجين هي حقوق وواجبات تتشابه وترتبط من حيث الجوهر في كافة كنائسنا وطوائفنا وتعليماتها الكنسية مع بعض الاختلافات البسيطة في ترتيبها وأهميتها وأولويتها بعضها على بعض ، ولكن من المتفق عليه بينها كافة أن حقوق وواجبات الزوجين تتمتع بكل الأهمية التي تجعل منها واجباً وحقاً لكل طرف في الزواج على الطرف الآخر ، وهي تتمحور بما يلي :

1-) واجب المساكنة ، وهو واجب مفروض على الزوجين بحكم الزواج المسيحي يلزم الزوجين بكل محبة ومودة بالإقامة معاً في مسكن واحد تتحقق من خلاله غايات الزواج المقدس وهو التزام قائم بينهما ما دامت العلاقة الزوجية قائمة ، ولهذا فإن على الزوج المقتدر أن يهيء المسكن أو البيت الشرعي المناسب والملائم لسكن الزوجة فيه مع الأطفال لاحقاً ، ومن متطلبات هذا الواجب التحاق الزوجة ببيت زوجها الشرعي والإقامة فيه معه ، ولا يحق للزوجة أن تمتنع عن الإقامة مع زوجها في هذا البيت الشرعي أو تركه والخروج منه بدون أي مبررات مقبولة أو منعها الزوج من الدخول والإقامة في هذا البيت الشرعي أو رفضها الانتقال من هذا البيت إلى بيت آخر أو مكان آخر في حال اضطرار الزوج للانتقال إلى مكان آخر أو عمل جديد في مكان أو مقر آخر  ، وقد ورد في رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس ” الإصحاح الخامس : العدد 31 ” ما يلي (( مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا )).

الراعي البرونزي

2-) واجب التحصّن ( الأمانة الزوجية ) ، حيث أن كلا الزوجين ملزم دينياً ودنيوياً بأن يكون أميناً تجاه الزوج الآخر فلا يحق لأي منهما خيانة العهد المقطوع بينهما أمام الله وأمام الحاضرين في الكنيسة أو في مكان عقد الزواج بينهما ، وعلى هذا أكدت كافة الكنائس والتعاليم المسيحية بأن من صفات عقد الزواج الذي يتم أمام الكنيسة الوحدة وعدم تعدد الزوجات أو تعدد العلاقات خارج إطار الزواج ، حيث ورد في رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس ” الاصحاح السابع  : العدد 2 ” ما يلي : (( وَلكِنْ لِسَبَبِ الزِّنَا، لِيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ امْرَأَتُهُ، وَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلُهَا )).

3-) واجب حُسن المعاشرة والتعاون ، ورد في رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس ” الإصحاح الخامس : عدد 25 ما يلي (( أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا … كَذلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ … مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ … وَأَمَّا أَنْتُمُ الأَفْرَادُ، فَلْيُحِبَّ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَتَهُ هكَذَا كَنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ رَجُلَهَا )).

فالرجل والمرأة عند الزواج يصبحان جسداً واحداً ويقدمان كل منهما للآخر المحبة والعطف والحنان والودّ والاطمئنان لكي يحققان معاً جوهر الزواج وأهدافه الحقيقية التي عُقد من أجلها ويحققان مشيئة الله من هذا الزواج ويقتديان بسيرة الرسل وآباء ونساء الكنيسة ممن سبقوهم في العفة والطهارة والمحبة والمودة ويعيشان في محبة وسعادة وتفاهم وتناغم.

4-) واجب الإنجاب ، حيث أن الإنجاب هو من الأهداف الرئيسية لانعقاد الزواج المسيحي ولثبات العلاقة الزوجية ما بين طرفي عقد الزواج ، وقد حثتّ الشريعة المسيحية على الإنجاب وخلق الذرية وإستمرار خلق الله وإستمرار الإنسان وخلافته في الأرض ، ولا يجوز لأي من الزوجين الامتناع عن هذا الواجب أو القيام بتعطيله أو التسبب بعدم حدوثه إلا إذا كان هنالك مانع جسدي أو غيره لدى أي من الطرفين يمنع تنفيذ هذا الواجب وإتمامه ، وقد ورد في سفر المزامير “137 : 3 ” ما يلي ((هُوَذَا الْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ ، ثَمَرَةُ الْبَطْنِ أُجْرَةٌ … طُوبَى لِلَّذِي مَلَأَ جُعْبَتَهُ مِنْهُمْ )) والله جعل الأطفال نعمة وبركة من عنده وبمشيئته وبعلمه وبمعرفته.

5-) واجب النفقة ، وهو واجب مقصود به الإنفاق بما يلزم من المال لتأمين المأكل والملبس والمشرب والمسكن وكافة متطلبات وأساسيات الحياة المعيشية بين الزوجين بما فيها حق الزوجة والاطفال في التعلم وفي تلقي العناية الصحية ، وكافة الطوائف المسيحية في الأردن تلقي عبء الإنفاق على عاتق الزوج فهو المسؤول الأول والمباشر عن الإنفاق على زوجته وعلى أطفاله وعلى بيته الزوجي وتأمين كافة المتطلبات الحياتية لهم جميعاً كونه رب الأسرة المسؤول عن ذلك ، والزوجة لها الحق الكامل والأكيد في هذه النفقة ما دامت العلاقة الزوجية قائمة وسواء كانت زوجته غنية أم فقيرة وسواء كانت مقيمة في البيت الزوجي أو منفصلة عن زوجها لسبب لا يد لها به ، واستثناءاً تجب النفقة للزوج المعسر على زوجته الموسرة وفي حالات محددة ولدى جزء بسيط من الطوائف المسيحية ، ولكن فيما يتعلق بالأطفال فإن واجب الإنفاق عليهم ورعايتهم واجب ثابت ومحتم على والدهم.

الراعي البرونزي

6-) الإرث ، وهو من الواجبات الزوجية التي يكتمل العمل بها بعد وفاة أحد الزوجين ، فلكل منهما حق في تركة الآخر وفي أخذ حصته من هذه التركة وبحسب التقسيمات الشرعية المتبعة في القوانين الكنسية والسارية المفعول أو أية قوانين قد تصدر لاحقاً وبحسب القانون السائد في محاكمنا الكنسية وأية أعراف تطبق فيها ، ولا يمنع الإرث بين الزوجين إلا وجود قرار قضائي قطعي يثبت فسخ عقد الزواج بينهما أو بطلانه أو إبطاله أو تغيير لأي منهما ديانته قبل وفاة الزوج الآخر أو وجود أي مانع من موانع الإرث بين الزوجين وحينها لا يرث أي منهما الآخر.

7-) أموال الزوجين ، حيث نجد في قوانيننا الكنسية المطبقة في الأردن أن ذمة كل من الزوجين مستقلة عن ذمة الزوج الآخر سواء ما قبل الزواج أو ما بعده ، ولا يوجد أي نظام في الأردن يجعل ذمتهما المالية بعد الزواج مشتركة كما هو جاري العمل به في الدول الغربية ، حيث لا يتدخل عقد الزواج ولا يؤثر بأي شكل من الأشكال في ملكية أي من الزوجين لماله الخاص بحيث يحق لأي منهما التصرف بشكل مستقل ومنفرد بأمواله وإدارتها واستغلالها كما يشاء والانتفاع منها ، إلا إذا جرى الأمر بشكل ودي بينهما بعد الزواج على تغيير هذا الأمر وهو بالنتيجة خاضع لموافقتهما وإرادتهما الخاصة.

        وعليه ، وبهذه العُجالة السريعة حول موضوع حقوق وواجبات الزوجين ، والتي لا شك يوجد العديد الآخر منها الذي لم يرد في هذا المقال ولم نتطرق له ، نكون قد ألقينا الضوء على أهم وأولى الواجبات المتفق عليها بين الكنائس والملقاة على عاتق كل من طرفي عقد الزواج وعلى أهم الحقوق لكل من طرفيه والتي تتحقق لكل منهما بموجب عقد الزواج الكنسي ، وللحديث بقية . 

                   *  المحامي الدكتور فراس عازر المستشار القانوني للكنيسة الأسقفية العربية في الأردن

الراعي البرونزي

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content