المانشيت الرئيسيمقالات

حين يصبح الصحفي نفسه محور الخبر!

الراعي الذهبي

بقلم: داوُد كُتّاب

من المفترض في الوضع الطبيعي أن يغطّي الصحافي الأخبار، لا أن يكون محور الخبر. ولكن الأمر في بلادنا العزيزة ينقلب أحياناً، ويصبح الصحافي من دون أن يرغب هدف التغطيات الإعلامية. في الأسبوع الماضي، وبعد قضاء عدة أيام في لندن، عدتُ إلى عمّان، في رحلة وصلت منتصف الليل. وعلى الرغم من المحاولة السريعة للخروج من المطار، لتأخر الوقت، وللرغبة في الحصول على قسط من النوم، لأن اليوم التالي كان مليئاً بالعمل الإعلامي لي بمناسبة يوم المرأة، إلا أن الرياح أحياناً تجري بما لا تشتهي السفن. اذ طلب موظف الجوازات مني الانتظار قليلاً، وعرفت في تلك اللحظة، أن ثمة أمر غير طبيعي.

منذ أكثر من عشرين عاما، وأنا أتنقل بين عمّان والقدس، وأطير بصورة مستمرة من مطار الملكة علياء وإليه، ولم يتم توقيفي ولو مرة واحدة. ماذا حدث؟ ذهبت افكاري شمالا وجنوبا. هل للامرعلاقة بما نشرته مؤخرًا؟ هل للوشوشة التي وصلت إلى أذني عن هذا المقال أو ذاك التقرير أو الموقف من هذا أو ذاك علاقة بمطلب توقيفي؟ هل الأمر متعلقٌ بموضوع وثائق باندورا، والتي نشرنا عنها وبقى النشر “على الهواء” ثلاث ساعات ثم جرى سحبها؟ هل السبب ما نشرته عن تجربتي الصحافية في الأردن في مجلة فورين بوليسي؟ هل السبب اقتباس عادي جدا في تقرير “الغارديان” عن تسريبات بنك كريديت سويس؟ هل الأمر متعلق بموقع المغطس الإلكتروني المختص بشؤون المسيحيين في الأردن وفلسطين، وانزعاج بعضهم من موقفي دعماً لتعريب الكنيسة الأرثوذكسية، ومعارضتي الاستعمار الديني المتمثل أخيرا بتعيين بطريرك غير عربي في القدس، أو ربما بما نشرته عن قضية الجامعة الأميركية في مأدبا؟ وهل كانت المطالبة بمساواة كل الطوائف المسيحية، حسب المادة السادسة من الدستور الأردني، هي السبب؟ وهل لتوقيفي علاقة بقرار هيئة الإعلام حجب موقع المغطس في الأردن، بناءً على طلب من مجلس رؤساء الكنائس؟

جرى هذا كله في مخيلتي في الدقائق القليلة، وقد تبين فيما بعد ان خيالي كان ربما واسعا ولكن في الحقيقة يبدو ان كل تلك التوقعات لم تكن السبب المباشر في توقيفي.

وأخيرا جاء دوري لمقابلة مسؤول أمن المطار لتوضيح سبب عدم السماح لي بالدخول. فقال الضابط المسؤول، بكل أدب واحترام، إن هناك قرارا قضائيا بتوقيفي له علاقة بشكوى لدى دائرة الجرائم الإلكترونية. حسناً، قلت له، لا مانع لدي أن أراجع الدائرة غداً. ابتسم، وقال لي إنني سأقيم الليلة في المطار وأذهب صباحاً برفقة الشرطة للرد على الشكوى. “أنت تمزح” قلت له، ولكنه كان مصرّاً أنه مكلّف بتنفيذ أمر قضائي بالتوقيف، موضحا في الوقت نفسه أن الإفراج عني ممكن، إذا كان لدي شخص ليكفلني لدى المركز الأمني في منطقة البيادر.

الراعي البرونزي

اتصلت بزوجتي التي كانت في انتظاري في ردهة استلام الحقائب، وقلت لها ما جرى، فقالت إنها ستتجه إلى المركز الأمني لمحاولة تقديم الكفالة. وكانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل. تركني المسؤول أنتظر في غرفة أخرى، فأخرجت كتاباً كنت قد بدأت قرآءته في الطائرة وانغمست فيه ونسيت موقعي وكان الكتاب فعلاً خير جليس لي. ولكن يبدو أن الأمر كان غير مألوف لمن كان حولي من ضباط، فسألوني عن سر القراءة في هذا الظرف، وقلت له إنني أمضي الوقت لغاية السماح لي بالخروج. مر وقت قصير، وإذا بالهواتف النقالة للمسؤولين الأمنيين ترّن، فبدا لي أن خبر توقيفي قد جرى نشره فأصبحت عبئاً عليهم. جاءني الضابط ذاته، ليسأل إن كان أحد قد راجع المركز الأمني. أعلمته أنني أعتقد أنهم في طريقهم، وطلب مني استعجالهم لأن المركز الأمني في انتظار من يراجعهم لإنهاء الموضوع. وطلب مني الحديث عبر هاتفه مع مديره الذي حاول اطمئناني وإعلامي أن أمر احتجازي سيجري حلّه قريبا. لم أهتم كثيراً بالأقوال، ورجعت إلى قراءة كتابي وانتظار ما سيحدث.

بعد ساعة ونصف الساعة، طلب مني المسؤول توقيع وثيقة متعلقة بالاحتجاز، ثم رافقني الضابط إلى الخارج، معتذراً عن تأخيري، ومؤكداً ضرورة أن أراجع الشرطة في اليوم التالي.

انتهت قصة احتجازي، لكن من كان وراءها وما حدث بعدها أهم بكثير، فمن دون أن أعرف أو أقوم بأي عمل، يبدو أن أمر توقيفي قد حرّك بعض المياه الراكدة، حيث وصلت إليّ مكالمات تضامن عديدة في اليوم التالي. كما وصلت إليّ مكالمات من مسؤولين أمنيين، لإقناعي بأن ما حصل لم يكن توقيفاً. “لو تم وضعك في النظّارة طول الليل لكان الأمر توقيفاً، ما حدث لك مجرد احتجاز بسبب أمر إداري، حيث كان عليك حضور المحكمة، وتم الاتصال بك آلاف المرات ولم تستجب”. توقفت مع المسؤول الأمني عند الجملة الأخيرة، فمن يعرفني يمكن أن يشهد أنني لا أغلق هاتفي الخلوي في أي وقت، ولو اتصل بي أحد وأنا منشغل، فإنني دائما أردّ فيما بعد… على أي حال، أهم ما حدث فيما بعد ما صرح به الناطق باسم الحكومة الأردنية أن مديرية الأمن العام تنظر في تخفيف الإجراءات المتعلقة بالمسافرين المطلوبين لبعض القضايا المرتبطة بالجرائم الإلكترونية.

لم تكن قراءتي الكتاب في وقت الانتظار بهدف التسلية فقط، بل ليعرف المسؤولين الأمنيين، وبصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن إرهابهم الفكري ومحاولاتهم إخافتي لن تجدي، ومعنوياتي عالية، وإصراري على قول الحق زاد ولم ينقص. ما كنت ولا أزال متخوفا منه هو الا يتأثر الزملاء وهكذا يبدأون بممارسة الرقابة الذاتية، وهو ما يقتل العمل الصحافي الحر.

المطلوب من الصحافي تغطية الأخبار، وأن يحاول قدر المستطاع ألا يكون هو أو هي محور الخبر. كلي أمل أن أعود إلى عملي الصحافي، من دون أن تكون لتلك الحادثة أي تبعات.

الراعي البرونزي

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content