مؤسسات مسيحيةمقالاتمناظرات فكرية

دعوة للمؤسسات الدينية لتبني مشروعا للإفصاح عن مواردها

الراعي الذهبي

د. موفق الزيادات*-

كل مشروع يرى النور عندما يحقق هدفاَ سامياَ، ويعزز ثقة المجتمع بقياداته سيما المؤسسات والقيادات الدينية بمختلف تنوع التزاماتها العقائدية.

كثر الحديث عن الفساد العام في مختلف قطاعات المجتمع وتتعالى الأصوات الداعية لمكافحة الفساد والمفسدين وبات كل منا يدعو إلى ضرورة استئصال هذه السوسة التي تنخر عصب المؤسسات بالتالي الاقتصاد العام برمته.

 إن سوسة الفساد المالي اللعينة تنهش مقدرات وموارد المجتمع المختلفة جراء ضعف المساءلة والمحاسبة، والأخطر من كل ذلك تعظيم الغنى غير المشروع وتضاؤل فاعلية رسالة ورؤية العمل المؤسسي الذي بات يسعى لتعظيم الربحية المؤسسية والثراء الفردي على حساب رسالة الإيثار التي يسعى لترسيخها لردم فجوة الفارق الطبقي المجتمعي.

الراعي البرونزي

والسؤال هنا؛ هل يمكن أن تبدأ المؤسسات والقيادات الدينية بتبني مشروع الإفصاح على المستويين المؤسسي والقيادي المنتظم عن كافة مواردها وأصولها المالية وفقا لقواعد وأصول الحوكمة الرشيدة بإدارتها

على اعتبار المؤسسات الدينية نموذجا يحتذى به، أضع مبادرتي هذه بين يدي مراكز السلطات والمجالس الدينية لفرض تشريع يلزم كل المؤسسات بمختلف أنواعها وأنشطتها التي تمارسها، والقيادات المشرفة على إدارة أي عمل ذي علاقة بمختلف مستوياتهم التمثيلية بالإفصاح عن مواردهم المالية وكافة الأصول التي يمتلكونها عسى أن تكون خطوة دافعة لباقي مؤسسات وقيادات المجتمع المدني  للسير بهذا النهج وتطبيق مبدأ ” من أين لك هذا”.

لقد تناولت الديانات المختلفة وأخص منها الديانات التوحيدية السماوية على أهمية معالجة موضوع المال العام المسخر لخدمة الله من خلال خدمة الناس والمجتمع، وأتناول تاليا بعض تلك الأحكام من باب التذكير بالنظرة للمال وأهمية حوكمة إدارة المال العام:

في الشريعة الإسلامية تناولت الآيات الكريمة الفتنة التي يحدثها السعي وراء جمع المال فقد ورد في قوله –تعالى–: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ [الأنفال: 28]\﴿قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ سورة يوسف – آية رقم 55.

ويحذِّرنا الكتاب المقدس من محبة المال واللهاث وراء الكنوز الأرضية ويقول: ‏ لتكن سيرتكم خالية من محبة المال،‏ وكونوا قانعين بالأمور الحاضرة».‏ —‏ عبرانيين ١٣:‏٥‏.‏ ويقول «محبة المال أصل لكل أنواع الأذية،‏ وهي التي اذا مال وراءها البعض طعنوا أنفسهم طعنا بأوجاع كثيرة».‏ —‏ ١ تيموثاوس ٦:‏١٠‏.‏

الراعي البرونزي

المصمِّمون على أن يكونوا أغنياء .‏ .‏ .‏ يسقطون في تجربة وشرك وشهوات كثيرة غبية ومؤذية».‏ ‏—‏ ١ تيموثاوس ٦:‏٩‏.‏

وفي العهد القديم (اليهودية) هنالك آيات كثر تشير إلى قضايا الإفساد المالي منها يقول سفر الأمثال؛ ا”لمُسرع إلى تحصيل الغنى لن يبقى بريئا».‏ ‏—‏ امثال ٢٨:‏٢٠‏.‏

اما في البوذية فان أساس الأخلاق للناس العاديين كما وردت في “المفاهيم الخمسة” المشتركة بين جميع المدارس التابعة للبوذية تشير إلى أهمية المبادئ أو الفضائل الأخلاقية الخمسة ((pañca-silani)  وهي مجموعة من الالتزامات أو المبادئ التوجيهية الطوعية) تساعد الفرد على أن يعيش حياة يسعد فيها دون قلق، وأن يكون قادراً على التأمل بشكل جيد.

من المفترض أن تمنع كل هذه المبادئ المعاناة وأن تضعف آثار الجشع والكراهية والوهم.

 ومن التعليمات الأخلاقية الأساسية التي منحها بوذا للناس العاديين والرهبان على حد سواء:

الراعي البرونزي

 أتعهد بالالتزام بقانون التدريب للامتناع عن أخذ الحياة (القتل). أتعهد بالالتزام بقانون الامتناع عن أخذ ما لم يعط لي. الخ.

أما “لاكشمي” (زوجة الإله فيشنو) إلهة المال والحظ في الهندوسية، فبحسب معتقدهم كل من يعبد “لاكشمي” بصدق، ومن دون طمع، يكون مباركاً ويحقّق الثروة والنجاح.

هل سيتحقق وعد تلك المؤسسات ومن يقودها أمام الله عن شجاعة كافية لمحاربة الفساد، وأن تتخذ خطوة عملية لا وعظات فقط تجاه محاربة تلك السوسة المدمرة.

 ان البدء بهذه الممارسة ستحدث تغييرا حتميا للقيادات العلمانية والمؤسسات المختلفة لممارسة هذه الفضيلة وان

 نشر تقارير مالية دورية توجه للمجتمع عموما والفئات المعنية بشكل خاص تستند إليها القرارات الرشيدة بقضايا الصرف وإدارة تلك الأموال يعد متطلبا هاما في هذه المرحلة وتاسيسًا لمستقبل يعِد بممارسات تقضي على كل أشكال الفساد المالي والإداري.

الراعي البرونزي

أنهي بقول عبَّر به الشاعر النروجي آرنِيه غاربورغ حين قال:” أن المال يشتري الطعام لا الشهية؛ ‏ الدواء لا الصحة؛ ‏ الفراش المريح لا النوم؛ ‏ العِلم لا الحكمة؛ ‏ الحليّ لا الجمال؛ ‏ البيوت الفخمة لا الدفء؛ ‏ التسلية لا الفرح؛ ‏ المعارف لا الأصدقاء؛ ‏ الخدم لا النزاهة”.

لكن قد يكون فاته القول أن المال الحلال يعطيك كل ما سبق، وأن المال غير الشرعي يحرمك حاضرك وآخرتك.‏

*خبير الاستشارات والتطوير المؤسسي

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content