مقالاتمناظرات فكرية

سلسلة مقالات كتاب “نحو ذهن متجدد”: الحياة الإنجيليّة والسياسة

الراعي الذهبي

بقلم: المحامي جوناثان كتّاب*

الملخص

يبحث هذا الفصل التوتر الطبيعي بين رغبة الكثيرين من الإنجيليّين الفلسطينيين في اتخاذ موقف محايد من القضايا السياسية والتركيز على التقوى والحياة الروحية بدلًا من ذلك وبين الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون الإنجيليّون والذي يفرض عليهم الاشتراك بطريقة أو بأخرى في قضايا الوطن والحياة العامة. ويعالج هذا المقال التجربة الشخصية لأحد الإنجيليّين ومحاولته تجسيد مبادئ ملكوت السماوات فى القضايا الأرضية التي يعالجها ابتداءً من قضايا العنف والحرب والسلام والعدالة الاجتماعية وثم مسائل حقوق الإنسان والقانون الدولي، والدفاع عن حقوق المعتقلين وزيارتهم. ويخلص الكاتب إلى ضرورة مشاركة المسيحي الفلسطيني الإنجيليّ في العراك اليومي بحيث يصبح المسيحي جزءًا من ملح الأرض وفي الوقت نفسه يحافظ على استقلاليته الذاتية وولائه الأول للسيد المسيح والمبادئ‏ التي يؤمن بها.

مقدمة

لقد نشأت في بيت مسيحي إنجيليّ، وتعلّمت منذ نعومة أظافري أن هنالك فرقا واضحًا بين السلوك المتوقع من المؤمن و”المسيحي الحقيقي”، وسلوك بقية أفراد المجتمع. وكان بين الآيات التي تعلّمناها منذ الصغر “لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم” (يوحنا الأولى 2: 15). كما قال السيد المسيح “مملكتي ليست من هذا العالم”(يوحنا 18: 36)، ورفض أي محاولة ‏لجعله ملكًا أرضيًا وزعيمًا سياسيًا، وكان يعلّم باستمرار عن ملكوت الله.

الراعي البرونزي

 وقد تُرجمت هذه الآيات بالنسبة لي، على أن من واجب المسيحي، أن يتجنب السياسة كليًا، وأن يركّز انتباهه نحو التبشير، وخلاص النفوس، والمسائل الروحية، والابتعاد عن العالم وهموم العالم الخاطئ . وأذكر تماما تلك الترنيمة المصرية التي كنا نرنمها دائما في صغري:

           “لكن أنا مش من‏ هنا، أنا ليّا وطن تاني، لا مال ولا جاه ولا غنى، دا حبيبي بيستناني”

لكن هذا الانفصال عن المجتمع والسياسة وهموم المجتمع، لم يستمر طويلًا بالنسبة لي . فعندما بدأ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، فُرض على كل مواطن واقعًا سياسيًا مباشرًا. حيث أصبح مجرد إقامة كل فلسطيني ووجوده عملًا سياسيًا، فرض عليه مواجهات‏ مع الاحتلال والسلطات السياسية. وتبع ذلك مباشرة سفري للدراسة الجامعية في الخارج، حيث قمت شخصيا بإعادة النظر والتفكير العميق في كل الأشياء التي تعلّمتها في صغري وفي إيماني المسيحي الإنجيليّ. وقد أدى هذا إلى تغيير جذري في نظرتي إلى دور المسيحي في المجتمع، وتفاعله مع القضايا والمسائل التي تهم المجتمع الذي يعيش فيه، سواء كان ذلك في قضايا تتعلق بالسياسة أو الحرب والسلام، أو قضايا العدالة الاجتماعية وغيرها‏.

وإنني أرغب في هذا المقال، أن أطرح تجربتي الشخصية، في إطار الفكر المسيحي والإنجيليّ عمومًا، حول مسألة دور المسيحي في المجتمع. ورغم أن ما سأذكره ينطبق على كل المسيحيين، إلا أن الإنجيليّين بنوع خاص قد تميّزوا تاريخيًا عن بقية الطوائف المسيحية بثلاث مزايا، قد تؤثر مباشرة على كيفية معالجة هذا السؤال:

أولًا: التركيز على الكتاب المقدس

الراعي البرونزي

يؤمن جميع المسيحيين أن الكتاب المقدس موحى به من الله، وهو أساس عقيدتهم وإيمانهم. إلا أن الكنائس الإنجيلية تميزّت، بأنها قد أعطت دورا مركزيًا لقراءة ودراسة الكتاب المقدس، وجعلته أساسًا وموجهًا لحياتهم الشخصية، ولرؤيتهم في جميع الأمور. وليس من باب الصدفة، أن يكون التزامن في بروز الحركات الإنجيليّة، مع اختراع آلة الطباعة، وترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات المختلفة. كما أن الكنائس الإنجيليّة في فلسطين أيضًا، قد نشطت في توزيع الكتاب المقدس، وإقامة اجتماعات دورية لدراسته من قبل جميع المؤمنين، وليس من قبل رجال الدين فحسب. ونتيجة لذلك اعتبر الإنجيليّون الكتاب المقدس، السلطة الرئيسية، إن لم تكن الوحيدة في حياتهم، بدلًا من تعليم الكنيسة، أو تقاليد الآباء أو غير ذلك.

ثانيًا: دور الفرد المؤمن في حياة الكنيسة

‏ نشأت الحركة الإنجيليّة في وقت كانت الكنيسة تعيش فيها مرحلة من التخلف والتراجع الروحي، مع تشكيك الكثيرين حول سلطتها الروحية. وفي هذا المناخ طرح الإنجيليّون فكرة Priesthood of all Believers وتجريد القيادات الكنسية من سلطتها الروحية التقليدية، على اعتبار انه بإمكان كل فرد من المؤمنين أن يقرأ الكتاب المقدس بنفسه، وأن يتواصل بالصلاة مع الله مباشرة ‏دون الحاجة لأي وسيط. وقد أدّى إضعاف سلطة الكنيسة ورئاستها الروحية، إلى فتح المجال لأفكار مختلفة، وانقسامات كثيرة، وطوائف متعددة بين الإنجيليّين. وأصبح الإنجيليّون يفتقدون إلى أي موقف موّحد أو أي سلطة هيكلية كنسيّة لتحديد مواقفهم من القضايا العامة. لكن هذه الانقسامات أيضًا، فتحت مجالًا واسعًا للتفكير الجديد والخلّاق، في معالجة القضايا المختلفة من منطلق إيماني مسيحي دون انتظار أي تعليمات أو توجيهات من أي سلطة كنسيّة عليا.

ثالثًا: حياة التقوى والسلوكيات اليومية

يعتقد الإنجيليّون، وبقية المسيحيين أيضًا، أن عليهم أن يعيشوا حياتهم وفقا لتعاليم المسيح: “فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح”(فيلبي 1 : 27) وأن المسيح هو رب وسلطان على كل مرافق حياتهم، بما فيها المال والسياسة والسلوك اليومي. ولذلك، فإن هناك تركيزٌ على حياة التقوى والصلاة، وقراءة الكتاب المقدس يوميًا، والامتناع ‏عن أي سلوكيات مشبوهة، والتركيز على القداسة في حياتهم الشخصية. ولهذا، فقد اعتبر بعض الإنجيليّين التدخين أو شرب الخمر، واللباس غير المحتشم، أو غير ذلك، من الخطايا المرفوضة. ويعود الأساس في ذلك، إلى رفض اعتبار الدين جزءًا مقتصرًا على العبادة يوم الأحد، وإنما هو المحرك الرئيس لأمور الحياة كافة طيلة الأسبوع، وفي مختلف المجالات.

الراعي البرونزي

انطلاقا من هذه الميزات الثلاث، فقد طفى توتر، إن لم يكن تناقض، متواصل لدي الإنجيليّين، بين التوجه للانفصال والابتعاد عن الانخراط في الحياة السياسية وأمور المجتمع اليومية، والرغبة في طرح نماذج عملية، تعكس مبادئهم الروحية في حياتهم اليومية. هذه المبادئ تظهر تاليًا شهادتهم للعالم الحاضر، وانتماءهم إلى مجموعة من القيم والمثل العليا، التي يعكسون من خلالها محبة المسيح للعالم، واهتمامه بالفقراء والمحتاجين، والعمل على خلق ملكوت الله على الأرض. ويتوافق هذا بما قال المسيح لتلاميذه: “فليضيء نُورُكُمْ هَكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (متى:5 :16).

ونظرا لعدم وجود هيكلية واحدة موحدة للكنائس الإنجيليّة، فإننا لا نستغرب وجود أمثلة مختلفة ومتضاربة حول آراء الإنجيليّين فيما يتعلق بالقضايا‏ العامة. وسوف أعرض في هذه المقالة، مسيرتي الشخصية في معالجة هذه المسائل، وأنا أعي تماما أنها قد لا تمثل الموقف الإنجيليّ عمومًا، بل هي اجتهادات فردية، قد يؤيدها البعض، وقد يخالفها آخرون من إخواني الإنجيليّين الفلسطينيين.

 بدأت حياتي المهنيّة كمحامٍ بوعي تام للظروف السياسية الصعبة تحت الاحتلال. ورغم إنني لم أنضم إلى أي من الأحزاب أو الفصائل السياسية، إلا أنني لم أبتعد عن خضم العراك السياسي، ولم أتّخذ موقف المحايد من قضايا العدالة والظلم اليومي الواقع على أفراد شعبنا، بل اخترت لنفسي طريقا مستقلًا في معالجة هذه المسائل، ومن منطلق مسيحي إنجيليّ، يعكس مبادئ إيماني وعقيدتي، ويلتقي ويتقاطع مع الكثير من أبناء شعبي المسلمين، واتفق معهم على مبادئ عامة، وبرامج مختلفة كما سأبين أدناه:

(أ) قضية السلم والحرب

في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والظلم الناتج عنه، لم أرَ مجالًا للحياد أو التخاذل، لكن في الوقت نفسه، لم أقبل منطق العنف والقتل والكفاح المسلّح، بغض النظر عن مبررات مثل هذا الموقف من وجهة النظر الوطنية. إنني واثق تمامًا، وفي هذا أتّفق مع أغلبية المسيحيين الفلسطينيين من مختلف الطوائف، أن المسيح‏ دعا أتباعه إلى نبذ السلاح والعنف. “الذي يأخذ بالسيف، بالسيف يؤخذ”. وقد طرح لنا المسيح مثالًا عمليًا على ضرورة محبة العدو وقبول التضحية بدلًا من الانتقام. وقد قال المسيح وهو أمير السلام: “طوبى لصانعي السلام لأنهم أولاد الله يدعون”. ولذلك كان عليّ كمسيحي أن أجد أساليب مختلفة بدلًا من الكفاح المسلح، لمقاومة الظلم والاحتلال، والقيام بواجبي الوطني. كما رأيت أيضًا أن‏ الانتقام والثأر والعنف، لا يفيد في الصراع القائم بين الحركة الصهيونية وحقوق المواطنين الفلسطينيين والشعب الفلسطيني الذي أنتمي إليه.

الراعي البرونزي

إن دور المسيحيين الفلسطينيين يُذكّر تماما بما قاله المسيح لتلاميذه: “أنتم ملح الأرض


وحضر إلى البلاد في هذه الفترة بالذات ابن عمتي مبارك عوض، وشاركت معه في تأسيس “المركز الفلسطيني لدراسات اللاعنف”، حيث بادرنا إلى مجموعة من النشاطات، مثل غرس أشجار الزيتون للدفاع عن الأراضي المهددة بالمصادرة، ومقاطعة البضائع الإسرائيلية وإيجاد بدائل فلسطينية لها‏، وفي نشر أدبيات اللاعنف، وتنظيم المسيرات، وغيرها من النشاطات السياسية اللاعنفية. وقد أدت هذه النشاطات إلى أنّ السلطات الإسرائيلية اعتقلت مبارك عوض، وأبعدته عن البلاد. وظهرت نتائج تلك النشاطات وتبلورت أثناء الانتفاضة الأولى، فأحرزت نجاحات كثيرة، وربما كانت هي العنصر المؤثر في بدء المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ومنظمة‏ التحرير الفلسطينية. وبغض النظر عن النتائج السياسية لتلك المفاوضات، إلا أن العنصر الشخصي بالنسبة لمبارك عوض، كما هو الأمر بالنسبة لي، كان رفض استعمال العنف والقتل، انطلاقًا من تعاليم المسيح التي تعلّمناها من آبائنا، ومن أجل السعي في الوقت نفسه، نحو نشاطات فعّالة لمقاومة الظلم القائم. وقد أشار مبارك عوض تكرارًا إلى المبادئ التي تعلّمها من والدته، حيث علّمته منذ استشهاد والده أثناء حوادث النكبة عام 1948، أنه يجب ألا نستسلم للحقد والبغضاء، وأن المسيح علّمنا طريق السلام ومحبة الأعداء. وظل هذا المبدأ نبراسا لحياته حتى اليوم، حيث قام بعد أبعاده من البلاد، بتأسيس منظمة عالمية باسم “اللاعنف الدولي”، لتشجيع النشاطات اللاعنفية في مختلف أرجاء العالم، وليس في فلسطين فقط.

(‏ب) قضية حقوق الإنسان والقانون الدولي

داود قال إن الأمر يتطلب دراسة بحثية تحتاج تفرغ واقترح أن يتم دفع 500 دينار لباحث ليقوم بذلك. اقترح ديفيد أن يكون ممكن محامي متدرب في مكتب المحامي رمزي نزهه. القس وليد مدانات اقترح ان يلتقي مع المحامي خلدون سلايطة ويكتبوا معا التقريروقدم ديفيد الطلب التفصيلي التالي وعلى مسارين”.

وإن حركة حقوق الإنسان العالمية، رغم أنها حركة علمانية، إلا أن لها جذورٌ مسيحية ودينية، حينما تطرح مبادئ عالمية‏. وقد لُخصت معظم هذه الحقوق في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تبنته الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة بالإجماع في 10كانون الأول عام 1948. وقد وجدت أنا شخصيًا في هذه المبادئ، مجالًا متاحًا للعمل باتجاه العدل والسلام والمساواة، ومقاومة الظلم والاحتلال والعنصرية. ولهذا، فقد ساهمت مع الأستاذ رجا شحادة وتشارلز شماس،‏ بإنشاء مؤسسة “الحق” ومركزها مدينة رام الله. وبالنسبة لي كمسيحي، كان نشاط تلك المؤسسة لدرجة كبيرة، نابعًا من المبادئ المسيحية التي أؤمن بها شخصيًا. ومثالٌ على ذلك، أن تسليط الأضواء على الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان وتوثيقها، ثم نشرها على الصعيد العالمي، كان استعمالًا لـ”أسلحة النور” ضد قوى الظلمة والطغيان. كما أن التأكيد على القانون الدولي والمبادئ العالمية والشرعية الدولية وواجب تطبيقها على الجميع، يعكس أيضًا نظرة دينية، ترفض منطق القوة المجرّدة، وتشير إلى وجود قوانين ومبادئ عليا على كل دولة أو سلطة سياسية أن تخضع لها – أي أن الله يرى كل شيء، وسلطانه فوق كل حكم أرضي- ومن دواعي سروري أن هذه المؤسسة لا تزال تعمل بنشاط حتى اليوم، دفاعا عن حقوق الإنسان الفلسطيني، ولها سمعة عالمية ممتازة، وهي تدافع عن هذه الحقوق با‏تّزانٍ، ولا تتردد في انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان، سواء من إسرائيل أو السلطة الفلسطينية، أو حماس، أو حتى في المجتمع الفلسطيني نفسه (مثل حقوق المرأة وحقوق العمال)، وذلك من منطلق أن هذه المبادئ عالمية، تنطبق على الجميع دون استثناء. ورغم أن المؤسسة، مؤسسة “الحق” نفسها، ليست مؤسسة مسيحية بل علمانية، ويعمل فيها المسلمون والمسيحيون والعرب والأجانب، إلا أنه بالنسبة لي شخصيًا، فإنني وجدت في هذا المجال-حقوق الإنسان والقانون الدولي‏- وسيلة ناجعة تعكس إيماني وعقيدتي كمسيحي مؤمن.


ساهمت مع الأستاذ رجا شحادة وتشارلز شماس،‏ بإنشاء مؤسسة “الحق” ومركزها مدينة رام الله. وبالنسبة لي كمسيحي، كان نشاط تلك المؤسسة لدرجة كبيرة، نابعًا من المبادئ المسيحية التي أؤمن بها شخصيًا.


(ج) حقوق المعتقلين

“لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَارَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟ فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ.” (متى 25: 35-40)

إن نسبة كبيرة من الشعب الفلسطيني، خاصة في المناطق المحتلة، قد عانت ولا تزال تعاني من الاعتقال والسجن. وقد تحدثت مع القس نعيم عتيق عن ضرورة عمل شيء ما لمساعدة هؤلاء المساجين، استنادًا للأمر الكتابي المبين في النص المُقتبس سابقًا. وكانت النتيجة، أنني قد أنشأتُ مع القس نعيم، والمحامي أحمد الصياد وزوجته المحامية بثينة دقماق، “مؤسسة منديلا لرعاية شؤون المعتقلين السياسيين الفلسطينيين”، للعمل على الدفاع عن حقوق السجناء، وزيارتهم زيارات دورية، وتقديم المساعدات المادية لهم، والدفاع عن حقوقهم، وإبراز قضايا معاناتهم وظروف اعتقالهم، سواء في المحاكم الإسرائيلية أو الصحافة أو المحافل الدولية. ومرة أخرى، فإن هذه المؤسسة هي مؤسسة علمانية، والقائمون عليها اليوم جميعًا من إخواننا المسلمين، غير أن المحرك الأساسي بالنسبة لي وبالنسبة للقس نعيم، عندما قمنا بإنشاء هذه المؤسسة، هو ضرورة تلبية الأمر الكتابي المبيّن سابقًا.

(د) التصدي للصهيونية المسيحية

لا حاجة إلى أن أُسهب هنا في هذا الموضوع، الذي جرت معالجته في فصول أخرى من هذا الكتاب، سوى أن أشير إلى أن قضية الصهيونية المسيحية كانت مسألة هامة بالنسبة لي، كما لكثير من الإنجيليّين الفلسطينيين. لم يكن بإمكاننا الوقوف جانبًا،‏ في الوقت الذي كان فيه الصهاينة المسيحيين يسيئون إلى ديننا وعقيدتنا، ويستخدمون الكتاب المقدس بطريقة مغلوطة، لتبرير الظلم الواقع علينا. وحيث أن كثيرًا من نشاطات الصهيونية المسيحية كانت تأتي من الكنائس الإنجيليّة في الغرب، وكانت تسيء استعمال الكتاب المقدس، وتستخدم آيات منه خارجًا عن سياقها، كان من الضروري أن يقوم الفلسطينيون الإنجيليّون أنفسهم، بمواجهة هذه التعاليم المُغرضة، وأن يكونوا في صدارة التصدي لها. وكان هذا ليس للدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني فحسب، بل للدفاع عن العقيدة والمبدأ والإيمان أيضًا. حيث أظهرت الصهيونية المسيحية الله سبحانه وتعالى بمظهر خاطئ. حيث أن المسيح أظهر محبته للعالم أجمع، وليس لشعبٍ واحدٍ في بقعة جغرافية واحدة فقط. وأنا فخور شخصيًا في هذا المجال، بالدور والمساهمة التي تؤدّيها كلية بيت لحم للكتاب المقدس، ومعلموها وطلابها وأصدقاؤها، وللدكتور سليم منيّر بالذات في هذا المجال.

(ه) النشاطات الطبية والتعليمية والخيرية والتنموية

لا يمكنني أن ألخص في هذا المقال، جميع النشاطات الخيرية والإنسانية التي يشارك فيها المسيحيون في فلسطين. ولا نقاش في أن هنالك أفرادٌ ومؤسسات مسيحية تخدم في جميع هذه المجالات في أرجاء فلسطين كافة، وتعطي شهادة حية عن إيمانهم، عن طريق تقديم هذه المساعدات ‏للمحتاجين، دون أي تفرقة بين مسيحي ومسلم. وإن دور المسيحيين الفلسطينيين يُذكّر تماما بما قاله المسيح لتلاميذه: “أنتم ملح الأرض”. ولا شك أن دور المسيحيين في جميع هذه المجالات، يفوق بكثير نسبة أعدادهم في المجتمع الفلسطيني.

والذي يميز هذه المؤسسات جميعًا، هو أنها تقدم خدماتها في تفانٍ وإخلاص وليس بتعالٍ وعجرفة، انطلاقا من المبدأ المطروح في كلام القديس متى المُقتبَس سابقًا، أي أن المسيحي يعتبر أنه يخدم المسيح مباشرة عندما يخدم “أحد إخوتي هؤلاء الأصاغر”. ولذلك له الشرف في تقديم هذه الخدمة لربه ومخلصه يسوع المسيح.

*جوناثان كُتّاب

محام فلسطيني نشأ في مدينة بيت لحم والقدس وبعد تخرجه من مدرسة المطران بالقدس درس في الولايات المتحدة في كلية مسيا في بنسلفانيا (بكالوريس) وجامعة فرجينيا حيث حصل على شهادة الدكتوراه في القانون وعمل في نيويورك سنتين قبل أن يعود الى فلسطين كمتطوع مع جمعية المانونايت  ومن ثم إلى ممارسة المحاماة  وهو عضو في نقابة المحامين في نيويورك وفي إسرائيل وفلسطين. المحامي كُتّاب نشيط في مجال حقوق الإنسان  وقد ساهم في إنشاء مؤسسة “الحق” في رام الله وهي أولى مؤسسات حقوق الإنسان في فلسطين  كما وشارك في تأسيس مؤسسة مانديلا لرعاية شؤون المعتقلين ومنظمة اللاعنف الدولية. وهو عضو مجلس إدارة كلية بيت لحم للكتاب المقدس منذ تأسيسها  ورئيس مجلس إدارة مؤسسة هولي لاند تراست في بيت لحم ومن عدة اشهر هو يعمل كمدير تنفيذي لجمعية أصدقاء السبيل في الولايات المتحدة. وقد شارك كرئيس اللجنة القانونية في المفاوضات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في القاهرة عام 1994 وله كتابات ونشاطات مختلفة في مجال اللاعنف والسلام  وحقوق الإنسان.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content