اخبار مسيحيةالجليلالمانشيت الرئيسيفلسطينمقالات

عظة الاحد من فلسطين في يوم الذكرى الرابعة والسبعين للنكبة

الراعي الذهبي

القس الدكتور منذر اسحق- راعي الكنيسة اللوثرية في بيت لحم وبيت ساحور

37وَلَمَّا قَرُبَ عِنْدَ مُنْحَدَرِ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، ابْتَدَأَ كُلُّ جُمْهُورِ التَّلاَمِيذِ يَفْرَحُونَ وَيُسَبِّحُونَ اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقُوَّاتِ الَّتِي نَظَرُوا، 38قَائِلِينَ: «مُبَارَكٌ الْمَلِكُ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! سَلاَمٌ فِي السَّمَاءِ وَمَجْدٌ فِي الأَعَالِي!». 39وَأَمَّا بَعْضُ الْفَرِّيسِيِّينَ مِنَ الْجَمْعِ فَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، انْتَهِرْ تَلاَمِيذَكَ!». 40فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ!».

نحيي اليوم 74 عامًا على النكبة الفلسطينية. 74 عامًا من الظلم والاستبداد. 74 عامًا من التهجير والتشريد. 74 عامًا ونكبتنا مستمرة. الأراضي ما زالت تُصادر وسكان الأرض يُشرّدون. اللاجئون لم يعودوا، والأسرى لم يُطلق سراحهم. قُرانا لم نعد بنائها.  74 عامًا من الاستشهاد والاستهداف والأسر. 74 عامًا ونكبتنا مستمرة. كفلسطينيين، نحن لا نتذكر النكبة. نحن نعيش النكبة. والأحداث الأخيرة أكبر شاهدٍ على ذلك.

ما حصل في مخيم جنين هذا الأسبوع – استشهاد العظيمة شيرين أبو عاقلة – ليس بغريب علينا. فهو يتكرر يوميًّا في مخيمات وقرى ومدن فلسطين. اليوم، وبعد 74 عامًا، رسّخت إسرائيل دولة فصل عنصريّ – أبارثايد – بامتياز، وعلينا كفلسطينيين أن نعي الأمر، وأن نسمي الأمور بمسمياتها، ونطالب العالم بمحاكمة إسرائيل على هذه الجريمة. القضية ليست صراع؛ أو حتى احتلال عسكري. هي أكثر من ذلك. نحن نتعامل مع نظام فصل عنصري قامع وظالم. من لا يصدق، يكفيه أن يشاهد ما حصل في باحات المستشفى الفرنسي في القدس أثناء تشييع جثمان الشهيدة.

ما حصل في الأسبوع الأخير في فلسطين هو شهادة حية على أن النكبة مستمرة. ولكن هناك أمرٌ آخر وأهم. ما حصل في مخيم جنين وفي المدن الفلسطينية، وخاصة في القدس، لهو أكبر دليل على أننا كفلسطينيين لم ولن ننكسر، مهما حاولوا. 74 عامًا من النكبة، ولم ننكسر!

الراعي البرونزي

هل رأيتم القدس؟ هل رأيتم حجم الجماهير؟ هل رأيتم وحدة الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين؟ هل رأيتم الأعلام؟ أحد الأصدقاء علّق على الجنازة بقوله “شعرنا بأن القدس تحرّرت”. مهما حاولوا من طمسٍ للهوية وتغيير لمعالم القدس – مهما حاولوا من تفريغ القدس من أهلها، وبعد سنوات من سياسة مصادرة الهويات وهدم البيوت وتغيير أسماء الشوارع والمعالم وغيرها من السياسات الهادفة لتهويد القدس، حصل ما حصل. المحتل قد يحتل الأرض، لكنهم لم يكسروا أرواحنا ولم يحتلوا نفوسنا. تحيّة لأهل القدس الصامدين في بيوتهم وشوارع القدس.

وأيضًا أسأل: هل رأيتم صمود حاملي النعش الأسطوري؟ ضربوا ولم ينكسروا. لم يقع النعش. إنها قوة الإرادة. إنها عزّة النفس والكرامة. رأيت في صمودهم صمود فلسطين. فلسطين لن تنكسر. تذكروا أن من كان في هذا النعش، الشهيدة الشيرين أبو عاقلة، استشهدت في مخيم جنين، رمز الصمود. كفلسطينيين، نُضرب ولا ننكسر. لأننا أصحاب الحق. لأنّ قضيتنا عادلة.

هل شهدتم قوة المرأة الفلسطينية؟ هذه الجنازة التاريخية؛ هذه الجنازة التي وحدت أطياف الشعب الفلسطيني؛ هذه الجنازة التي حررت القدس – كانت لامرأة فلسطينية. امرأة عُرفت بنقلها للحقيقة. كانت شجاعة. كانت إنسانة. مهنيّة. نقلت الهمّ الفلسطيني للعالم. تكابرت على جراحها لتنقل للعالم جراح جنين ورام الله والقدس. كانت ابنة القدس، ابنة أبو عاقلة، لكنها دخلت كلّ بيت فلسطيني، ومن لم يكن يعرف شيرين؟ واليوم نحيي المرأة الفلسطينية الصامدة، وشيرين رمز لنساء فلسطين.

واليوم نحيي كل صحفي حرّ – من يكتب ويصوّر ويحرّر ويتجوّل في أزقة المخيمات والمدن لينقل الحقيقة. يخاطرون بحياتهم من أجل نقل الحقيقة، فلهم التحية.

شيرين ذكرتنا أننا أصحاب رسالة. وكمسيحيين في هذه الأرض، اليوم، دعونا نتمسك بدعوتنا لهذه الأرض. علّق أحد الأصدقاء على مشهد نعش شيرين محمولاً على الأكتاف، خارجًا من كنيسة الروم الكاثوليك، وسط آلاف الجماهير، بقوله – نحن فعلاً ملح الأرض. هنا أرضنا. هنا وطننا. هنا همنا. هنا، لنا كرامة. وهو ما تجلى في القدس يوم الجمعة.

الراعي البرونزي

أقول لأخوتي المسيحيين: لا تلتفوا إلى أصوات النشاز. شعبنا واعٍ. شعبنا موحد. لنحمل بعضنا بعضًا، ونساند بعضنا بعضًا، ولنستمر في حمل رسالتنا.

أيها الأحباء، قبل حوالي ألفي عام، وفي القدس تحديدًا، حاولوا إسكات صوت أهل الأرض: 37وَلَمَّا قَرُبَ عِنْدَ مُنْحَدَرِ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، ابْتَدَأَ كُلُّ جُمْهُورِ التَّلاَمِيذِ يَفْرَحُونَ وَيُسَبِّحُونَ اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقُوَّاتِ الَّتِي نَظَرُوا، 38قَائِلِينَ: «مُبَارَكٌ الْمَلِكُ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! سَلاَمٌ فِي السَّمَاءِ وَمَجْدٌ فِي الأَعَالِي!». 39وَأَمَّا بَعْضُ… مِنَ الْجَمْعِ فَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، انْتَهِرْ تَلاَمِيذَكَ!».

حاولوا إسكات صوت الحق. حاولوا إسكات صوت التسبيح لله. أما يسوع، فأجاب: «أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ!».

لا يمكن إسكات صوت الحقّ! قبل عام كتبت هذه الكلمات في ذكرى النكبة، ولم أتوقع حينها أنني سأرى بداية تحقيقها بعد عام. أقرأها اليوم:

“دعوتنا هي ألا نفقد الرجاء. مجرّد بقاؤنا في هذه الأرض مقاومة وصمود. وحدتنا الوطنية مقاومة وصمود. ولأن قضيتنا قضيّة عادلة ولأننا أصحاب حقّ، فلن نفقد الرجاء. إيماننا بإله الحقّ والعدل هو رجاؤنا.  لقد حاول الكثيرون تحييد القضية الفلسطينية، ووضعها على الهامش كي تصبح في طيّ النسيان. وبالرغم من سنوات ترامب البغيضة، وبالرغم من كل التطبيع مع دولة الاحتلال، فها هم أبناء القدس وغزة وكلّ أبناء فلسطين يذكرون العالم بأننا هنا باقون ولن نذهب إلى مكان.

الراعي البرونزي

ومن أرض القيامة، أرض المعجزات، فإننا نؤمن أنه ومهما طالت جمعة أحزاننا فإن فجر القيامة آتٍ لا محال. فالمسيح قاسى من التطرّق واستبداد الاحتلال، ومات ضحيّة لعنف المستعمر والتطرّف الدينيّ. ولكننا، ولأننا نؤمن بالقيامة، فنحن نؤمن أن الكلمة الأخيرة هي للعدل، لا للظلم. للحرية، لا للعبودية. للمحبة، لا للعنصرية والطائفية. للحياة، لا للموت.

تقول وثيقة كايروس: “في غياب كلِّ أمل، إنّنا نطلق صرخة أمل. لأنّنا نؤمن بالله، إلهٍ صالح وعادل. ونؤمن أنّ صلاحه سوف ينتصر أخيرًا على شرّ الكراهية والموت الباقي حتى الآن في أرضنا. وسنرى “أرضًا جديدة” و”إنسانًا جديدًا” يسمو بروحه حتى يبلغ محبّة كلّ أخ وأخت له في هذه الأرض.””

شيرين كانت شهيدة الكلمة والرسالة. ويوم الجمعة تكلمت فلسطين. تكلمت القدس. أتمنى ألا نسكت… أتمنى أن نستمر بالكلام والتسبيح والرجاء. صلاتنا مقاومة. محبتنا مقاومة. وحدتنا مقاومة. وقولنا للحق وتمسكنا بالسلام والعدل مقاومة.

حمى الله فلسطين وشعب فلسطين. والحرية قادمة لا محالة. آمين.

الراعي البرونزي

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content