اخبار مسيحيةالمانشيت الرئيسيشخصيات مسيحيةمقالاتمناظرات فكرية

فصل من كتاب “نحو ذهن متجدد”:جوانب أقل شيوعًا لشخصية المطوبة مريم العذراء

بقلم: عبير عودة منصور*

الملخص

مريم العذراء هي شخصية نسائية متميزة، فهي أم الرب. وتشير المؤلفة إلى أن معظم صفاتها الشائعة مُشتَقّة من كونها أم وفتاة متميّزة بتقواها. فهي المُحِبّة، والحنونة، والوديعة، والمتواضعة، والمطيعة للإرادة الإلهيّة، والمُصَلِّية والمُسَبِّحة. لكننا نغفل أنها شخصيّة مركّبة ذات أبعاد متعددّة، ولديها صفات أخرى أقل شيوعًا يركز عليها هذا المقال. تتأمل المؤلفة في حادثتين من فترة صباها الأولى، وقبل ولادة ابنها البكر يسوع، وهما البشارة وزيارتها لنسيبتها أليصابات. تشير مزايا مريم من خلال تجاوبها في حديثها مع الملاك في البشارة، إلى أنها فتاة واعية، وجريئة ومستمعة جيّدة، تعالج الأمور التي تقال لها بتفكير عميق، وتحاول فهمها. وفي حادثة زيارة أليصابات، فإننا نراها مبادرة ومسبّحة أيضًا. ثم تتأمل المؤلفة في تسبيحة مريم عند لقائها بأليصابات، وتشير لمعرفة مريم لذاتها، فضلًا لمعرفتها بالله نفسه. كما تشير صلاة مريم هناك، أنها فتاة أمينة خادمة مطيعة لله، تتكلّم بصوتٍ نبويٍّ قويّ عن عدل الله. وبحسب المؤلفة، تتوافق شخصية مريم مع مشيئة الله في “الثقافة المضادة” التي أرساها، والتي تقلب الموازين، وترفع المتضع وتنزل المتكبر، كما فعل مع مريم نفسها.

مقدمة

من أكثر الشخصيات النسائية المميزة في التاريخ، وربما الأكثر تميُّزًا بالنسبة للكثيرين، هي مريم العذراء أم الرّب. ما هي ميزتها؟ من هي هذه الفتاة الخاصّة التي ميّزها الرب الإله، لكي تكون آنية كرامة لتحمل ابن العليّ؟ ما هي الصفات والمزايا التي زوّدها الله بها لتتمكّن من حمل هذه الدّعوة، من البشارة إلى الصليب فالقيامة فالصّعود؟

أول حدث ظهرت فيه مريم للعالم هو البشارة (لوقا 1: 26-38). جاء ملء الزمان (غلاطية 4:4) الذي أعده الله منذ الأزل، لتجسّد الأقنوم الثاني، “الابن”، ابن الله. إذا أطلقت العنان لخيالي، فإني أرى الملاك جبرائيل الخارج من الحضرة الإلهية، يخالجه الفرح المختلط بالشعور بالشّرف غير المُستَحّقّ الذي حظي به: أن يحمل الخبر السّماوي الرئيس والأعظم، الذي لم يكن مثله من قبل. ربما تكون مشاعر الفرح والشّرف عنده قد اختلطت بالاستغراب: لماذا يكون الخبر المفصلي في تاريخ البشرية لما فيه من العظمة والأهميّة، لشخص واحد ووحيد، بل أكثر من ذلك، إن هذا الشخص هو فتاة -أي الجنس الأضعف من البشر- مراهقة تعيش في بلدة جليليّة صغيرة (متى 21: 11، مرقس 1: 9) محتقرة، لم يخرج منها شيء صالح قبلُ (يوحنا 1: 46). عجبًا، يستخدم الله مخلوقًا في تلك الصفات، لإطلاق خطته لخلاص البشر. بالطبع، لم يشُكّ الملاك جبرائيل في حكمة الله أو في صلاحه، أو صواب تخطيطه، فلديه خبرة طويلة في تعاملات الله التي فاقت كل حدود توقعاته أو نطاق فكره. أخاله انطلق من الحضرة الإلهية متشوِّقا لمعرفة إضافيّة أعمق، سوف يكسبها ويكتشفها عن هذا الإله، غير المستطاع سبر غور عمق حكمته ومحبته.

في هذا التّأمُّل سيتردّد الحديث ما بين صفات مريم، وارتباط هذه الصفات بقلب الله، فأنا اعتقد أنها كجدّها داوود النّبيّ، الذي يقول عنه بولس على لسان الله: “وجدت داود بن يسّى رجلا حسب قلبي، الذي سيصنع كل مشيئتي” (1 صموئيل 13: 14، أعمال الرسل 13: 22).

ربما تكون فكرتنا عن مريم العذراء قد تبلورت بواسطة الترانيم المريمية، والأيقونات التي تصف صفات مريم أو الفكر اللاهوتي عنها، أو الأحاديث والقصص الشّعبية، أكثر من تأمّلنا بالقطع الكتابية التي تُذكَر فيها العذراء المُطوّبة. إن معظم صفاتها الشائعة مُشتَقّة من كونها أم وفتاة متميّزة بتقواها. فهي المُحِبّة، والحنونة، والوديعة، والمتواضعة، والمطيعة للإرادة الإلهيّة، والمُصَلِّية والمُسَبِّحة. هذه هي المزايا التي استنبطناها ممّا قرأناه عنها في الكتاب المقدّس، وهي صحيحة.

إذا ما تأمّلنا في الأيقونات الأكثر شيوعًا، نجد أغلبها ترسم مريم في الأوجه المذكورة سابقًا. ولكن، هل فكّرنا بأبعاد أخرى لدى هذه الشّخصية، التي تمكنت من أن تكون وأن تعيش وتُظهِر تلك الصّفات عبر مسيرة حياتها، التي اتّسمت بالعيش المتواضع الفقير، والمحفوف بالصّعاب والألم والمعاناة، وكلّها خاضعة لتعاملات الله في حياتها. سأحاول في السطور القادمة أن أعدد صفات مريم العذراء ومزاياها التي قد لا تتبادر إلى ذهننا عند سماعنا باسمها، إذ سأركّز على الجانب الأقل شيوعًا أو الأقل ذكرًا.

 نتعرّف على مريم من خلال البشارة:

مريم المُفكِّرة: في البشارة نرى أن مريم تجمع ما بين الإيمان المتواضع المتجاوب والمتفاعل والمطيعأمام مهابة الله العلي من جهة، والذهن المُتّقِد الذي يفكّر في الأمور التي تحدث في تلك الساعة والأمور المُستَقبليّة من جهةٍ أخرى. عندما ظهر الملاك لمريم اضطربت لسماع تحيّته، لكن ذلك لم يمنعها من التّفكير – “فكّرت ما عسى أن تكون هذه التّحيّة” (لوقا 1: 29ب). ربّما لم تجرؤ على سؤال الملاك عمّا يقصد بهذه التّحية، لكن مشاعر الاضطراب هذه لم تشُلّ قدرتها على التّفكير (كما قد يحدث مع كثيرين من النّاس). إذًا هذه الصّبيّة تتفاعل مع الأمور بقلبها (مشاعرها) وبفكرها أيضًا. كان تفكيرها شرعيًّا وطبيعيًّا، فها ملاكٌ يطالعها بكلام السّلام والنعمة والبركة. لكن ما هو الدّاعي لكلامٍ كهذا لفتاة صغيرة لم تنجز شيئًا يُذكَر بعد؟ لذلك نرى الملاك يجيبها عن هذا التّساؤل الذي بدا عليها، لكن الجواب كان أغرب وأصعب فهمًا من التّحيّة.

مريم المُفَكِّرة الجريئة: كانجواب الملاك لمريم وافيًا كردّ على تساؤل مريم، لكنّه عسر الفهم بحسب المنطق البشري. لقد أخبرها عن سبب هذه التّحيّة المُمَيّزة، لكن كيف لها أن تستوعب ما يفوق فهم البشر، ويتعدّى أي معجزة سمعت أو قرأت عنها في الكتب المقدّسة. هنا نرى جرأة مريم، إذ تتفوّه في هذا الموقف المهيب أمام رسول السّماء، الأمر الذي ارتجف منه أكبر المؤمنين والأنبياء، في سؤال يطرح نفسه بشدّة: كيف يمكن أن يحصل ذلك مع فتاة غير متزوّجة؟ وكأنها تقول له اشرح لي، أحتاج أن أفهم ما الذي سيحصل معي. لم يَلُم الملاك جبرائيل مريم العذراء (أو يوبِّخها كما فعل مع زكريا الكاهن- لوقا 1: 19-20)، بل أعطاها شرحًا لكيفية حصول الأمر، ومثالًا حيّا أيضًا عن قدرة الله الفائقة التي تعامل بها مع نسيبتها أليصابات.

مُجمَل القول عن مزايا مريم من خلال تجاوبها في حديثها مع الملاك، إنها فتاة واعية وجريئة ومستمعة جيّدة، تعالج الأمور التي تقال لها بتفكير عميق، وتحاول أن تفهمها. ولأن قلبها صادق مع الله، وعلى استعداد لتتميم مشيئته في حياتها، فكان سؤالها بهذه الروح الخاضعة، عن الطريقة التي سوف يتمّ بها الأمر، ليس اعتراضًا أو تشكيكًا في كلام الملاك. نلاحظ في هذا المشهد أن الله لا يستاء أو يغضب من أسئلة الإنسان حين يسعى للفهم، دون التّمرّد أو الاستخفاف أو الشّك. لا يريدنا الله أن نكون آلة يديرها هو، بل يريدنا أن نفكّر في الأمور، لنعرف عمق إرادته، وننضمّ إلى خطّته الصّالحة باختيارنا وإرادتنا الحرة. هذا ما فعلته مريم. وهذا ما فعله الله مع مريم.

لا يكشف لنا الكتاب المقدس عمّا فكّرت به مريم، أو كيف تصرَّفت بعد خروج الملاك من عندها. لكن من المُؤَكَّد أنها فكّرت كثيرًا وبعمق. يمكن القول إنّها وَضَعت خطّة عمل أوليّة، بناءً على تأملها برسالة السّماء، وإرشاد الروح القدس الحالّ عليها، للخطوات التي ستتخذها، في كل خطوة في وقتها. ها هي تفهم أنّ الدليل الذي أعطاها إيّاه الملاك عن المعجزة الحاصلة مع نسيبتها، هو دعوة لها للذّهاب إليها. هذا الأمر ليس غريبًا في الشرق، أن ترسل السّيدات بناتهن “الصبايا الصغار” لمساعدة المرأة التي تلد، ليعملن في البيت، أو حتى الاعتناء بالطّفل المولود الجديد، بينما تتماثل الأم الوالدة للاستشفاء من عمليّة الولادة. فما بالك إذا كانت هذه المرأة عجوزًا مُتقدِّمة في السّن. من المحتمل أن فكّرت مريم، أن أليصابات قد تحتاجها قبل ذلك أيضًا. ومن ناحية أخرى ربّما تستفيد من خبرتها في تعامل الله معها كامرأة وزوجة. وربما لأنها زوجة كاهن، يمكن أن تستفسر منها عن المسيّا المنتظر، وما يقوله الكتاب عنه، لتساعدها في فهم ما يحصل معها، وكيف يمكن أن تنقل هذا الخبر لأهلها، وليوسف خطيبها الرّجل البارّ التّقيّ.

زيارة مريم لأليصابات

مريم المبادرة (تتخذ خطوات عملية): لا نعرف من الكتاب المقدّس كيف سافرت مريم من الناصرة إلى منطقة عين كارم في القدس (حيث يرجّح تاريخيا أن عائلة زكريا كانت تسكن هناك )[i]. لكن هذه المسافة تستغرق بضعة أيام من السفر، ولا بُدَّ أن المُباركة مريم قد قضت خلالها وقتًا في التأمل والصّلاة، ومناجاة ذلك الإله الذي وضعت نفسها تحت تصرّفه. أُرَجِّح أن تلك الفتاة التي لم تمنعها المفاجأة ورهبة المنظر والموقف (البشارة) من التفكير وطرح الأسئلة، قد استمرّت كذلك إلى ما بعد خروج الملاك من عندها. لكن الرب ما انفَكَّ يرافقها بتعزياته وتأكيداته لدعوته لها. نرى الله المرشد لمريم، وكانت الأخيرة في انسياب مع المشيئة الإلهية.

مريم المُسَبِّحة: بعد رحلة طويلة ومتعبة تصل مريم لبيت أليصابات وزكريا. هناك، ما أن باشرت مريم أليصابات بالسّلام، تهللت الأخيرة وامتلأت من الروح القدس ونطقت بكلام نبوّة، وشكر لله ودعم وتأكيد لمريم، بل طوّبتها على إيمانها. مّرة أخرى نرى هنا بوضوح أكبر تفاعل مريم مع ما يجري حولها ويقال لها. ها هي مرّة أخرى تفتح فاها في أطول حديث تنطق به امرأة في العهد الجديد[ii]، لتسبّح الله على شخصه الكريم وعلى تعامله معها وعلى طبيعة تعامله مع أنواع البشر.

تسبحة مريم: (لوقا 1: 46-55)

 فقالت مريم: «تعظم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلصي لأنه نظر إلى اتضاع أمته. فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوّبني لأن القدير صنع بي عظائم واسمه قدوس ورحمته إلى جيل الأجيال للذين يتقونه. صنع قوة بذراعه. شتت المستكبرين بفكر قلوبهم. أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين. أشبع الجياع خيرات وصرف الأغنياء فارغين. عضد إسرائيل فتاه ليذكر رحمة كما كلم آباءنا. لإبراهيم ونسله إلى الأبد».

يمكن القول أنّ تسبِحة مريم هي رد فعل تلقائي، لكنه أيضًا خلاصة ما تأملت وفكّرت، وما أوصلها الله بالروح القدس لاستنتاجه عن عمله معها، مع شعبها ومع البشرية.

 مريم تعرف الله وتعرف ذاتها: تبدأ مريم تسبيحتها بتعظيم الله وتمجيده، معترفة بسُمُّوِّهِ ورِفعة مقامه، كما تُعَبِّر عن فرحها بأنه إلهها ومُخلِّصها. كما أنها تؤكّد أنّه يستخدم الضّعفاء (عدد 48أ + 49)، وتُقِرّ أنه رحوم من جهة (عدد 50) وأنه يقاوم المستكبرين من جهة اخرى (51). أن من يرفع نفسه يتضع، ومن يضع نفسه يُرَفِّعه الله (عدد 51-52). وأنّ الله أمين، يحفظ وعوده وعهوده (عدد 54-55). هي تعرف من هو الله بالنِّسبة لها، ومن ناحية أخرى تعرف من هي، وما هو مركزها الاجتماعي. هي تعلم أنها من طبقة وضيعة مُستضعَفة، إذ تقول أنّ الله “نظر إلى اتّضاع أمته”. واعتقد أن كلمة اتّضاع لا تعني تواضع مريم فقط، بل تشمل أيضًا الفئة المجتمعيّة المتواضعة التي تنتمي إليها. نفهم ذلك حيث تعود وتذكر مرّة أخرى الكلمة ذاتها في تسبِحَتِها بمفهومها الاجتماعي: أنّ الله “انزل الأعزّاء عن الكراسي ورفع المُتّضعين”، وهي منهم. هذا لا يعني أنها لا تعرف أنها من سلالة الملك داوود، لكن ليس لذلك أي تأثير على مقامها أو مقام عائلتها أو عشيرتها في الفترة الزّمنيّة والسّياق الّذين تعيش فيهما. هي فتاة فقيرة، مخطوبة لرجل بارٍ فقيرٍ يعمل نجّارًا، ويعيش كلاهما في قرية صغيرة ذات سمعة سيّئة، الناصرة (يوحنا 1: 46)، في منطقة محتقرة من فلسطين آنذاك: جليل الأمم (أشعياء 9: 1).

ماذا يمكن أن نعرف عن شخصية مريم من خلال ترنيمتها

هناك وجهتا نظر لما يمكننا أن نستنتجه عن شخصية مريم من خلال هذه التّرنيمة. سُمِّيت تسبحة “صلاة التّعظيم”، تماشيًا مع طريقة التّسمية اللاتينيّة، والتي تسير حسب الكلمة الأولى في النّشيد “تُعَظِّم”. وهذه الترنيمة تُسمّى Magnificat[iii] في اللاتينية، وهي صلاة تُعَظِّم مريم فيها شخص الله: صفاته ومعاييره المُمَيَّزة وأعماله. ردّدت الكنيسة هذه الكلمات على مرّ أجيال[iv]، وكانت صلاة التّعظيم لمريم جزءًا من الليتورجيّة منذ الأيّام الأولى للمسيحية[v]، وقال عنها اللاهوتي الألماني بونهوفر (Bonhoeffer)، إنها أقدم ترنيمة ميلاديّة[vi]. ولا أعتقد أن المسيحيين يختلفون في ذلك حول هذه النقطة. في وجهةالنظر الأولى، هناك من يرى أن تعظيم مريم وتسبيحها لله هو كخطرات النّسيم الهادي [فالتّسبِحة] في سُموِّها ومجدها وتدرّجها أشبه بتغريد طائر في الفضاء[vii]؛ أو ترنيمة فرح وابتهاج تعجز الكلمات أن تعبّر عنها، وأنها أروع مزمور تعَبُّدي في العهد الجديد[viii]. وفي وجهة النّظر الثانية:هناك من يرى أنالوصف أعلاه هو النّظرة والفهم الشّائع لترنيمة مريم. لكن هناك نظرة على الطّرف الآخر من المحور، وهي أن صلاة مريم صادرة من “فتاة أمينة خادمة مطيعة لله، تتكلّم بصوتٍ نبويٍّ قويّ عن عدل الله”[ix]. ويستطرد بونهوفر، في عظة له قبل إعدامه على يد النّازيين سنة 1933، قائلًا: “يمكن اعتبار تسبحة مريم أكثر ترنيمة ميلادية ثوريّة. هذه ليست مريم الرّقيقة، والحنونة الحالمة التي نراها في الرّسومات (الأيقونات) … إنما هي ترنيمة صلبة، وقويّة، وغير مهادنة عن قوّة الله وعدم قوة الإنسان”[x]. هكذا أيضًا فهمت السُّلطات الدكتاتورية كلمات هذه الترنيمة واعتبرتها تهديدًا لها … لذلك قررت بعض الأنظمة الحاكمة “منع قراءتها أو ترنيمها في الهند إبّان الاستعمار البريطاني، وفي السّلفادور وجواتيمالا في ثمانينيات القرن السابق”[xi].

ذلك السرد السابق عن الرؤيتين المتضادتين لشخصيّة مريم، هو سرد مختصر وموجز لتحليلات وتفسيرات وتعليقات كثيرة في كلا التّوجهين، يطول شرحها. لكني أردت أن آتي على ذكرها أوّلًا، لأنها تفسيرات قائمة وشرعيّة. لكن التّفسير الثّاني النّبوي عن عدل الله أقل شيوعًا. ثانيًا، أرى التّوجه الثّاني متوافقًا وشخص الله في عدله ورحمته وإحسانه. إضافة إلى ذلك فإنّي لا أرى أي تناقض بين التّوجّهين وأرى أن مريم لم تتميّز بواحدة من الصفات دون الأخرى. لماذا نفترض أن الشخص الوديع المتواضع الذي/التي تتغنى في أوصاف الله المجيدة السّامية لا يملك/تملك الشّجاعة للوقوف من أجل الحق؟ لماذا نستغرب العزم والتّصميم عند المتواضعين؟ لماذا ننفي الثّبات والصمود عند اللطفاء؟ الوداعة لا تعني الخنوع، واللطف لا يعني الضّعف، أليست الوداعة، واللطف، والشّجاعة، والعزم، والثبات، والعدل، والتّمسك في الحق، من صفات إلهنا له المجد، فما العيب في أن يجمع المؤمن بين جميعها؟ إن المشكلة في الجمع بينها، هي الطرق التي يتخذها الإنسان الطبيعي (1 كورنثوس 2: 14) لتحقيق العدل والحق واستخدام الشّجاعة، والتي قد لا تتوافق مع طرق الله أو وصاياه. لذلك، إن الإنسان غير قادر على تحقيق جميعها، دون معونة الله من خلال الروح القدس، الذي قال عنه يسوع: “روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق” (يوحنا 16: 13).

ويقودنا هذا الفكر لنذكر أن يسوع قد أرسى دعائم ملكوت الله على ما يسمّى اليوم بالثّقافة المُضادة (counter-culture)[xii] التي تظهر بوضوح في الموعظة على الجبل، سواء أكان ذلك في التطويبات أم في إعطائه البعد الأعمق، والقصد الأصلي لوصايا ناموس موسى. يطلب يسوع من أتباعه أن يتصرّفوا كما يليق بأولاد الآب السماويّ. فمثلاً في الموعظة على الجبل يقول يسوع: قيل، أمّا أنا فأقول لكم” (متى 5: 21-22، 27-28، 31-32، 38-42، 43-44) وما إلى ذلك من وصايا العهد الجديد، وملكوت الله الآتي للعالم. وفي حالة مريم العذراء استخدم الله هذه الفتاة، على عكس توقعات الإنسان الطبيعي الذي لا يقبل ذلك لروح الله لأنه يعتبره جهالة، استخدمها لتلد المسيّا المنتظر فادي الأمّة، وهي ليست من بيت غنيٍّ، أو زوجة أو ابنة شخص مُقرّب من السلطة، أو قائد شعبي، أو عسكري، أو أحد الثّوار آنذاك. بل هي فتاة تقية من بيت فقير كما وصفتها أعلاه. فعمل الله بحسب قانون ونهج الثقافة المضادة، الذي يحكي عنه بولس الرسول في رسالة كورنثوس الأولى (1: 28): “واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود”. وهذا ما فهمته مريم حين قالت: “أنزل الأعزّاء عن الكراسي ورفع المُتَّضعين” (لو 1: 52). وهذا شاهد إضافيّ لتوافق مريم مع روح الله. لقد فهمت مريم مبادئ ملكوت الله، لأن الله مصدر القوّة، وواضع السُّلُطات، وواهب الخير والبركة. وليس للإنسان أي فضل في ذلك سوى قبول هذه المبادئ والسير بحسبها، ليكون ابنًا مشابها للأب السماوي (متى 5: 48).

يطول الحديث عن صفات مريم الشائعة والأقل شيوعًا، لكني أريد أن أضع أمامكم جانبا قد يكون خافيًا علينا من شخصية مريم. هي ليست شخصيّة مسطّحة ذات بعد واحد ووحيد، بل هي شخصيّة مركّبة ذات أبعاد متعددّة، لكن بأساس واحد. لقد استطعنا في لقائنا معها في حادثتين من فترة صباها الأولى، وقبل ولادة ابنها البكر يسوع، أن نتعرف عليها، وأن نكشف أو نؤكّد على صفات الله الصالحة التي ظهرت من خلال تعامله معها، وبواسطة تجاوبها معه أيضا. وإني أصلي أن نكون ثابتين في إيماننا كما كانت مريم، لا تهُزُّنا صعوبات دعوتنا عن الاستمرار في حملها بثقة بالذي دعانا. عالمين أن الذي دعانا أمين لكي يصل بنا إلى برّ الأمان.


[i] ويكيبيديا “Ein Karem” بدون صفحات [استخدم في 10 آذار 2021]، إنترنت: “Ein Karem – Wikipedia” .

[ii] Bob Henry, “The love That We Are Made For”- Sermon from Advent 3, December 11, 2016, Silverton Friends Church, no pages. [used on 14 March 2021] Internet: http://threshingofthemind.blogspot.com/2016/12/the-love-that-we-are-made-for.html

[iii]John Macarthur, Twelve Extraordinary Women, (Nashville Tennessee ,2005), 115.

[iv] إبراهيم سعيد، شرح بشارة لوقا (القاهرة: دار الثقافة المسيحية، طبعة رابعة 1986) 28.

[v]Bob Henry, no pages.

[vi]Elizabeth Johnson, “Mary, Mary quite contrary” no pages [used on March 14, 2021]. Internet: https://uscatholic.org/articles/201101/mary-mary-quite-contrary/ .

[vii]إبراهيم سعيد، 28.

[viii] John Macarthur, 115.

[ix]Susan Strouse,” Magnificat! Means Dismantling Patriarchy “no pages [used on March 14, 2021]. Internet: https://www.virtualgrace.org/post/magnificat-means-dismantling-patriarchy.

[x]Bob Henry, no pages.

[xi]Ryan Kuja,” Mary’s Subversive Song” no pages [used on March 14, 2021] Internet: https://www.redletterchristians.org/marys-subversive-song/.

[xii] John Stott, Christian Counter Culture (England: Inter-Varsity Press, 1978), 16.

*عبير عودة منصور

ولدت في كفرياسيف وتسكن اليوم مع زوجها وأولادها في الناصرة. تعمل كمستشارة تربوية في المدرسة المعمدانية في الناصرة. حاملة لقب أول في علم النفس وأدب اللغة الإنجليزية من الجامعة العبرية في القدس واللقب الثاني في الاستشارة التربوية من جامعة حيفا ولقب ثاني آخر في القيادة والخدمة المسيحية من كلية الناصرة الإنجيلية. نشرت كتابًا بعنوان “مريم العذراء- المباركة في النساء”. خدمت في الماضي في الكنيسة الانجيلية المعمدانية في كفرياسيف وتخدم اليوم في الكنيسة المعمدانية المحلية- الناصرة في خدمات النساء ومدراس الأحد.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content