الجليلالمانشيت الرئيسيفلسطينمقالات

كيف يتعامل المؤمن المسيحي مع احباط الظلم؟

الراعي الذهبي

بقلم: بطرس منصور

ما أسهل ان ينزلق المؤمن المسيحي الى بحيرة الاحباط والفشل والشفقة الذاتية والمرارة نتيجة الامور المحيطة في بلادنا. فالظلم مستشري والعنصرية اصبحت اعتيادية ولا تفاجئنا. الاصولية التي تلغي الآخر وتقمعه امسّت هي النهج. حين توغِل السلطة الحاكمة في ظلمك، فلمن تشكي همّك؟

من هذه النقطة في قعر المستنقع الآسن يكون السبيل قصير امام المؤمن المسيحي الذي يسعى لأن يتبع سيده لتشويش وفقدان الثقة بالناس وحتى بالله. تصبح الطريق الى كراهية الآخر مفروشة بالورود. فالبعض يتخذ التقوقع سبيلّا فيتجه الى فقاعته التي تتشكل من دائرته المحصورة، التي قد تشمل ايضا كنيسته المنغلقة هي الأخرى. يحصر نفسه في الدائرة وينسلخ عمّا يحدث في خارجها.

لكن البعض الآخر قد يخسر حتى ايمانه بصلاح الله، اما جهارًا او سرًا. يصرخ المؤمن: “اين انت يا الله من جور هؤلاء؟”. قد يبقى هو قابعًا في الكنيسة، ولكنه ينكر قوة الله وقد تسلل الارتداد الى اعماق النفس. لم يعد الايمان فعالا. لقد فسد الملح.

البعض الآخر يهاجر، اما حرفيًا او مجازيًا، من بلاده التي اصبح يعتبرها ملعونة. انه يوضب امتعته النفسية اولا والجسدية ثانيا، ويغادر بلاده لأجل بقعة خضراء تتميز بالسكون ما وراء البحار فالعشب عند الجار اكثر خضرة. انه يترك ارض الاباء والاجداد. انه يترك بلاد الرب والانبياء فقد اصبحت في عينيه ارض شقاء لاجل حلم بحياة وادعة تُحتَرم فيها قيمة الانسان. قد لا يهاجر جسديا، ولكنه يبقى كمجرد جسم بلا روح في بلاده. قلبه تعلّق ببلاد اخرى- مفترضه،متخيلة او حقيقية. لربما حتى تعلّق قلبه بالسماء (وهذا محمود طبعا) ولكنه فقد اي نكهة وتنازل عن حمل رسالته بينما يكمل العيش في الحياة الفانية على الارض.

الراعي البرونزي

هل يناسب هذا التوجه الانعزالي او الفار المؤمن المسيحي والمفدى بدم الرب وصاحب الرسالة الالهية السامية؟ هل يلائم رد فعل يتميز بالتقوقع او الارتداد او الهجرة ما ائتمنا الرب عليه؟ طبعا لا. ما السبيل اذًا لمنع ذلك؟

ان الانزلاق الى بحيرة العدم التي تقود لردود الفعل السلبية هي نتيجة فكر تشوّش بسبب بركان الخطية الفردية والجماعية البغيضة حولنا. لقد انبثقت منه اللافا الساخنة فحرقت اطرافنا ،او قُل شوّهتها.

المؤمن المخلص يحمي فكره من مضار وتشويهات اللافا السامة بواسطة المضادات. بعضها يحمي الفكر ويشكل طبقة دفاعية حوله والآخر هجومي لاستبدال ما يلصق في الفكر او يطوله منها.

تزخر شبكات التواصل الاجتماعي بكميات هائلة من المعروضات من اقوال وصور وفيديوهات في امور الحياة الحارقة. بعضها واقعي وحقيقي ويقدم المعلومات الضرورية او المسلّية البريئة. لكن كثير منها هو مجرد اجترار او تشويه او تضخيم. ان السيل الجارف لهذه المعروضات- وهو بحسب منهجية (الغوريتم) الخاص بمواقع التواصل متطابق مع افكار المستخدِم نفسه- تكوّن صورة مشوهة للواقع. فالمستخدِم الذي يجد ان “الفيد” عنده (أي ما يظهر على بروفيله) مليء بفيديوهات وتعليقات يعزز افكار المستخدم نفسه الذي سيظن خطأ ان هذا هو واقع المجتمع واحيانًا العالم ككل. وهكذا يزداد التشويش.

رغم الادمان العام المستشري بين الناس لمواقع التواصل الاجتماعي، لكن لا بد للمؤمن ان يضع حارس لعينيه ويقنن في استخدام المواقع لئلا تتوغل المواد للذهن وتشوهه وتحبط حامله بعد ان تشكّل صورة غير حقيقية فيه. الامر يسري ايضًا على المواقع الاخبارية التي تنقل الدعاية والمعلومات المزيفة ويتوجب اتخاذ الحيطة ازاءها، لئلا تفسد عقولنا كما فعلت مثلا مع كثير من الانجيليين في امريكا في موضوع الجائحة فانتشرت نظريات المؤامرة الملفقة انتشار النار في الهشيم.

الراعي البرونزي

من الجهة الاحرى – المضادات الايجابية تحتاج ليس فقط لموقف فيه ممانعة واحجام ومقاطعة او انتقائية وانما المبادرة والفعالية وهذا اكثر عسرًا.

فالمؤمن المسيحي ملزم بتغذية بديلة من تُرهات ونفايات العالم المحبطة المحيطة. هذه التغذية تبدأ بكلمة الله المشجعة النافعة التي تفيض بكل ما هو حق وجليل ونافع. كلمة الله تطرد ما يسعى ليعشش في الاذهان. تفرز المعطوب وتزرع مكانه الصالح.

كما ان المضادات الحيوية تشمل بناء وتطوير علاقات مثرية مع اشخاص ايجابيين ومؤثرين بدل المتذمرين الذين يزيدون طين القنوط بلّة.

بناء هذه الغلاف الحامي من الاحباطات تقود المؤمن ان يشترك بشكل فعّال في ارسالية كنيسته على افتراض ان كنيسته تمارس ارساليتها او نفهمها بشكل شمولي. عليه الانخراط فيها وعليه تكوين فهم أعمق واشمل لرسالته ابعد من مجرد خلاص النفوس من الموت المقضي على الخاطئ. ارساليته هي خلاص من قيود الخطية واغلالها وارساء قيم الملكوت في مدننا وقرانا وبلادنا ككل. انها تمتد لكي تقود للصلاة لسلام المدينة. انها تساهم في تشكيل ثقافة خير ومحبة في اوطاننا. انها تتمثل في وقفة حق لاجل ما يسر قلب الرب من عدل وسلام ليصد روح الظلم والاستعلاء العرقي والتمييز.

انها تقودنا لنقف بفعالية ضد الظلم الذي احبطنا. فاصلا دورنا كنور هو ان نقف في حلكة الظلمة ونضيئ الطريق وكلما زاد الظلام الدامس كلما كان شعاعنا ضروريا اكثر. فهل نفرّ ونترك العالم في ظلامه؟

الراعي البرونزي

يمتد رد فعلنا الايجابي ليس فقط في ارسالية الكنيسة وانما في حياتنا الشخصية. ان الرد الصحيح لروح الاحباط يكون في شغف أكبر للنجاح والتميز في دراستنا واعمالنا. فالمجتمع المثابر الناجح والمتعلم يجعلنا نقف صامدين امام روح الظلم العاتية. يرافق ذلك تثفيف عائلاتنا ودوائرنا وحثهم لحب وطننا. لا نشجعهم ليحبوا حجارتها او جغرافيتها وتاريخها فحسب لكن حب غامر لاهل البلاد، حتى لمن نستصعب ان نحبهم. سنحبهم لان يسوع أحبهم اولا ولأننا نريد الخير لهم وسنرفض الافكار النمطية واي عنصرية متأصلة. سنتمسك بقيم الخير والمحبة دون وجل فتكون جدار حي امام اللافا البغيضة.

هكذا يتعامل المسيحي المخلص فيحمي نفسه من الرمال المتحركة التي تبلع كل ثمين ونفيس.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content