العالم المسيحيالمانشيت الرئيسيمؤسسات مسيحيةمقالات

كيف يمكن أن تتعامل كنائسنا مع موضوع التحرش الجنسي؟

الراعي الذهبي

داود كُتّاب- ملح الأرض

نسمع بين الحين والآخر عن كنائس في أنحاء العالم تتعامل بمستويات مختلفة في موضوع التحرش الجنسي وخاصة الاعتداءات ذات الطابع الجنسي من قبل بعض رجال الكنيسة تجاه أعضاء في كنائسهم وخاصة الأطفال واليافعين من كلا الجنسين. فقد قام الحبر الأعظم بالاعتراف بوجود هذه الظاهرة في الكنيسة الكاثوليكية وطالب بضرورة الحزم في التعامل معها. كما قرأنا مؤخرا عن قيام المجمع المعمداني الجنوبي (اقرأ مقال  بعنوان لجنة تحقيق مستقلة تطالب المجمع المعمداني الجنوبي نشر قاعدة بيانات حول المتحرشين هنا) . المقال يشير إلى قيام المجمع بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لدراسة الشكاوى وتقديم التوصيات كان منها على سبيل المثال لا الحصر، ضرورة نشر محدث ودائم للشكاوى التي تصل للكنيسة بشكل شفاف وعدم التستر عليها مهما كانت الأسباب. 

وكان  البابا فرنسيس قد أعلن العام الماضي ضرورة “الاستجابة بشكل مناسب لاحتياجات الكنيسة في جميع أنحاء العالم” وقد تم إدخال تعديلات جوهرية بدأ العمل بها في الثامن من كانون أول 2021 ويشمل التعديل حوالي 90 مادة تُعنى بالجرائم والعقوبات، وهو يدمج الكثير من التعديلات القائمة التي أدخلها البابا فرنسيس وسلفه بنديكتس السادس عشر. وقال البابا فرنسيس إن من أهداف التعديل “خفض عدد الحالات التي يُترك فيها أمر توقيع العقوبة لتقدير السلطات”.

ووُضع التحرش الجنسي بالقاصرين تحت قسم جديد بعنوان (إساءات للحياة الإنسانية والكرامة والحرية) بدلاً من العنوان المبهم السابق (جرائم تتعلق بالالتزامات الخاصة). وتعاقب المواد القانونية، المعروفة باسم الشرائع، رجال الدين على التحرش بالقصَّر، على سبيل المثال، وتعاقبهم أيضاً إذا حصلوا على “صور إباحية” للقاصرين أو الأطفال ووزعوها. وينص القانون على عزل رجال الدين، وعقوبات أخرى أو الفصل من العمل الكنسي إذا كانت خطورة القضية تستلزم ذلك.

وكما تبين من المتابعات العديدة أن بعض الكنائس تطبق مبدأ الإنكار والتجاهل الكامل وحتى التهجم على من يقوم بالشكوى مدعين أن ذلك من الشيطان أو أنها شكوى كيدية. ولكن المحاكم في العديد من دول العالم ولجان التحقيق وغيرها أثبتت بما لا يدع الشك وجود ظاهرة سيئة في هذا المجال حيث قد يستغل بعض من هم في مواقع السلطة (كان ذلك سياسيا وإداريا أم دينيا) سطوتهم المنبثقة من مركزهم لفرضها على الضعفاء ومن ثم منعهم تحت طائلة التهديد والمعرفة ألا يبوحوا عن الإساءات. ويقولوا لهؤلاء للضحايا أن أحداً لن يصدقهم. وهكذا يستمرون في العمل المشين والتستر عليه. وللأسف فقد تبين أيضا أن هناك موافقات ضمنية و احيانا تواطؤ من بعض المسؤولين في تلك الكنائس على هذه الأعمال المشينة على أساس أن ذلك قد يضر بسمعة الكنيسة ورجالها ولكن حتى عملية المحاسبة والعقاب وإبعاد الأشخاص المسيئين لا تتم تحت حجج مختلفة ولأسباب تفوح منها رائحة التواطؤ واستغلال بعض المسؤولين في الكنائس للحصول على ميزات معينة مقابل صمتهم.

الراعي البرونزي

في منطقتنا العربية  لا يوجد  في كنائسنا حتى إدراك لوجود المشاكل هذه بيننا. وطبعا لا تعرف الكنيسة كيف تتعامل مع تلك المشاكل. بالأساس لأن معظم كنائسنا لا يوجد بها متخصصين أو من ذوي الإدراك بهذه الأمور.  وأعتقد بأننا سنواجه مثل هذه الظاهرة بشكل أكبر في الأيام القادمة، حيث لا ينفع التعامل معها بشكل عشوائي أو بالطبطبة. ولا أدري من يمكنه مساعدة الكنائس؟ وهل ترغب الكنائس أن يساعدها أحد؟

استشرت أحد الخبراء في مجال التطوير والتنظيم المؤسسي في مجالات متعددة، وأفاد بأنه عادة يتم تطوير سياسات تنظيمية  للكنائس. وهذه تحكم وتنظم  أمور العلاقات الداخلية مع العاملين ومع الأعضاء، وذلك بهدف تجنب حدوث تجاوزات من هذا النوع، وأيضاً بهدف تنظيم كيفية متابعة الأمور في حالة حدوث التجاوزات.

وهذه السياسات تتبعها إجراءات تطبيقية عملية للتأكد من تطبيق هذه السياسات بين العاملين والخادمين وفي جميع مرافق وخدمات وأنشطة الكنيسة.وهذا الكلام أيضاً ينطبق على المؤسسات المسيحية أيضاً.

لا يمكن لكنيسة محلية لوحدها أن تنظم هذه الأمور، وقد لا تكون مقتنعة أصلاً بضرورة التنظيم، لذا ينبغي تنظيمها على مستوى أعلى. وفي هذه الحالة يمكن لرئاسة الطائفة تنظيمها على مستوى كنائسها.

كما يمكن أن الرئاسات الكنسية تولي عمل توجيهاتها للكنائس الأعضاء بهذا الخصوص أهمية كبرى. خصوصاً وأن أي حدث من هذا النوع مسيء للمتضررين ( وفي كثير من الأوقات تبقى آثارها الوخيمة لسنين طويلة). كما أنه يمكن أن يؤثر على صورة المسيحيين ككل وليس كنيسة معينة. في كل الأحوال لا ينبغي العمل بطريقة “الفزعة” وإثارة الموضوع مرة واحدة لدى الكنائس، بل ينبغي وضع سياسات وإجراءات ثابتة ومستقرة ومراقبة وذلك لضمان استمرارية العمل بها. كما و ينبغي العمل على السياسات بحرص شديد ومن مختصين بموضوع التطوير الداخلي، مع الاستعانة بالطبع بالقادة الروحيين والأخصائيين النفسيين وغيرهم.

الراعي البرونزي

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content