الجليلمقالات

لماذا اختُزِل البُعد الإنساني في تعليم كنائسنا؟

الراعي الذهبي

بقلم: بطرس منصور*

من متابعتي لمواضيع المؤتمرات والعظات في كنائسنا لاحظت مؤخراً تركيزها على علاقة المؤمن بالرب والضرورة لتقويتها وزيادة الايمان وبهذا بحد ذاته تطبق الكنيسة مسؤوليتها وتطبق رسالتها.  

لكن طبعًا علاقة المؤمن العامودية مع الرب يتوجب ان يتبعها بالضرورة انعكاس لعلاقة جديدة مع الأخ الانسان. لكننا نجد غياب لهذا الانعكاس في الوعظ والتعليم. نادرًا ما نجد الحث على تطوير وتقدم علاقة المؤمن ومحبته لاخيه الانسان، مهما كان. انها حالة اختزال غير مبررة وبشكل يناقض مبدأ وحي كل فقرات الكتاب المقدس “من الجلدة للجلدة”.

ان كل الكتاب موحى به، ولكن هذا لا يعني ان كل ما فيه يُطبّق اليوم، فشريعة الاكل مثلا في العهد القديم كانت سارية المفعول ليومها ولكنها الغيت اليوم. ان قرار البت بماذا يسري من المقاطع اليوم حرفيًا او مجازيًا او رمزيًا مرتبط بعالم علم التفسير الخاضع لقوانين السياق ولن نخوض بذلك هنا. لكن هل محبة القريب وصية عير سارية المفعول للمؤمنين اليوم ومن هنا نجدها غائبة؟

لقد اكد الرب يسوع بما لا يقبل التأويل ما هو مطلوب من الانسان وذلك كجواب صريح لسؤال طُرح عليه فأجاب: ” تحب الرب الهك…. وتحب قريبك كنفسك”

الراعي البرونزي

لا اعتقد ان أي مؤمن يدّعي ان هذا الطلب المباشر من الرب لمؤمنيه محصور بزمان غابر ولّى وانقضى. فلقد كررها الرب لكيلا نغفل عنها. كما انها ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بمحبة الله، فعند ذكرها في انجيل متى مثلًا يربط بينهما بالعبارة “والثانية مثلها”. أي محبة الله ومحبة القريب سيّان!

وبذات الطريقة ما من شك ان النعوت التي جاءت لتفصّل وتوضح وصية محبة القريب هي ايضًا لكل زمن. كيف يمكن ان تكون صفة انصاف الغريب او تقديم العدل للارملة  مثلا لزمان ولّى؟ انها صفة أدبية على شاكلة صفات الله نفسه (اليس هو قاضي الارامل؟) الذي نُطالَب بأن نشبهه؟! فهل تتبدل تلك الصفات او تُلغى؟ حاشا.

ولقد ملأ الرب الكتاب المقدس بمفاهيم أخرى وامثلة وتوضيحات ورموز ليمنع أي عدم فهم لمعنى محبة القريب التي طلبها مرارًا تكرارًا. مثلًا اوصانا مباشرة ان نعمل على احقاق العدل وانصاف المظلوم. وجاء بقصة السامري الصالح عن ضرورة إغاثة العدو قبل الصديق. وتعبر العجائب التي اجترحها من شفاء العميان او البرص او اطعام الجموع او تهدئة العاصفة او إقامة الموتى- كلها تثبت كيف يقوم وينادي يسوع بكل ما هو لخير الانسان لفرط محبته الشديدة له.

من جهة اتى الرب بشرح عن خطورة المال. من جهة ثانية أوصى هو كل تابعيه بعدم الكذب. ومن جهة ثالثة حثّ على السخاء في العطاء. من يتعمق بمنهج حياته وتعليمه يجد ان الخط القرمزي الذي يربطها كلها مع بعض والهدف الذي تصبو كلها لتحقيقه هو شرح لتلك المحبة وتجزيئها لأفعال ملموسة ولخطوات صغيرة ومن زوايا متنوعة كتنوع التجربة الانسانية. فالمحبة تحتم الحذر من المال لانها تستعبد البشر. الكذب على الغير يؤذي الغير (والكذاب نفسه) ويجعلهم يعيشون في واقع غير حقيقي وينقص هذا من تجربتهم الحياتية. اما البخل فهو حرمان المحتاج. 

لكن كل هذا لا يجد له التعبير الكافي في العظات والمواضيع المطروحة في الكنائس المختلفة في بلادنا. ويا ليتنا رجعنا لوصايا الانجيل الكاملة وركّزنا ليس فقط على محبتنا لله بل ايضًا على التطبيق العملي والملموس لتلك المحبة.

الراعي البرونزي

************************************************

الكاتب محامي ومدير تنفيذي في المدرسة المعمدانية في الناصرة

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content