العالم المسيحيالمانشيت الرئيسيمقالاتمناظرات فكرية

ما بين الخدمة في الزقاق واكتساح المسكونة!

الراعي الذهبي

بقلم: بطرس منصور

طالما استوقفني مصطلح” God’s Economy” الذي ترجمته الحرفية هي “اقتصاد الله”. حين سمعته للمرة الأولى قُلتُ في سِرّي: حاشا لله ان يكون له اقتصاد وأسواق مالية وبورصة فهي من رجس العالم المادي والهنا روحاني سماوي! بعد بحث إضافي وجدت ان مصدر المصطلح هو استخدام بولس الرسول للكلمة اليونانية “اوكونوميا” وقد ترجمت بالعربية (في ترجمة فان دايك) “بنيان”: وَلاَ يُصْغُوا إِلَى خُرَافَاتٍ وَأَنْسَابٍ لاَ حَدَّ لَهَا، تُسَبِّبُ مُبَاحَثَاتٍ دُونَ بُنْيَانِ اللهِ الَّذِي فِي الإِيمَانِ. (1 تيم 1: 4). لكن الترجمات الإنجليزية المختلفة ترجمتها من الأصل اليوناني بطرق مختلفة: بناء، وكالة، خطة، الهدف المستمر، عمل، إدارة وغيرها.

 وقد ابتُدِع المصطلح ” اقتصاد الله” من كتاب يحمل نفس الاسم للكاتب المسيحي الصيني ويتنس ني. ويُقصد بالمصطلح خطة الله للوصول بنفسه للعالم اجمع. انه لٌب ايماننا المسيحي- بأن نعرّف العالم باسرّه على شخص المسيح. لقد وضع الله خطة لخلاص الانسان وهدفه هو الوصول لذلك الانسان في كل مكان بأفضل وأنجع طريقة وأسرعها. فكيف يكون هذا؟

نظرًا لكلمة “اوكونوميا”، لا يسَعنا الا ان نقارن بين إقامة هذا البنيان او الخطة الإلهية مع إدارة اقتصاد لشركة او دولة.  ففي الأخيرة يتم من جهة حساب الموارد المالية التي ستدخل الخزينة القومية من جباية ضرائب على شتى أنواعها ومن الاعانات المالية الخارجية التي تستلمها الدولة وغيرها. ويتوجب ان الايرادات المذكورة تقابل الاحتياجات المتنوعة في شتى مناحي الحياة على ما فيها من صرف واستثمار ومساعدة والاحتياط والالتزام بالتعهدات المالية السابقة وسد العجز وغيرها. عند وضع الموازنة يأخذ واضعوها بالحسبان ارتفاع الفائدة البنكية المتوقعة في الدولة والتضخم المالي وقوة العملة المحلية مقابل العملة الصعبة وغيرها. تتم عملية إدارة الاقتصاد على تعقيدها بواسطة أبرع العقول الاقتصادية واشطر مدققي الحسابات.

بالمقابل اكتشفنا خطة الله التي لا لُبس فيها. انها أعظم وأسمى من “اقتصاد” او بنيان او خطة أي   دولة. فما هو دورنا في ادارتها وتطبيقها؟ السنا سفراء (2 كو 5: 20)، السنا “عاملون معه” (2 كو 6: 1)؟ فكيف ندير “اقتصادها” بحكمة وتروي وحساب النفقة؟

الراعي البرونزي

ان الجواب الواضح الذي نقدمه مرارًا وتكرارًا من على المنابر ودروس الكلمة والكتب الروحية المختلفة في كنائسنا في سبيل بنيان “اقتصاد الله” – هو ضرورة ان يكون المؤمن المسيحي عاملًا في حقل الرب وفعالًا في كنيسته. عادة يُقصد بهذا الكلام، حث المؤمن على الخدمة الروحية في مكان شغله او في مكان سكنه لجذب النفوس ومشاركتها الانجيل او احيانًا في ابراز “الانجيل الخامس” كشهادة حياة مباركة، تضيء لمن حولها في ظلمة هذه الحياة. ويُقصد بهذا الارشاد والوعظ ان العمل ما فتئ انفراديًا يقوم به المؤمن او المؤمنة بدافع ذاتي بحسب فهمه بعد استلهام ارشاد الرب له. لكننا ورغم الرغبة الصادقة، لكن المبادرة الذاتية ليست من سمات أكثر البشر وغالبًا لا يقوم هؤلاء بالمبادرات الذاتية من تلقاء أنفسهم للوصول للمحيط الذي يدورون فيه. حتى لو قاموا به بنفسهم ودون تنسيق فانها تكون احيانًا كتصويب المسدس في العتمة وتكون النتائج العامة ضعيفة.

بالمقابل- قليلًا ما يتحدث الواعظ او يبادر المُنظّم فيضع الإطار والآلية لهذا العمل او أسس لمنهجيته كفريق من خلال الكنيسة وبتوزيع الأدوار بين أصحاب المواهب المختلفة. وهكذا تبقى الصرخة للعمل والخدمة عشوائية ودون خارطة طريق يُستدل منها المؤمن الراغب بالخدمة.

والاندر من هذا (الدعوة للعمل) وذاك (انعدام وضع الإطار للعمل والطريقة) هو الحديث عن دور المسيحي في المساهمة في اطر أوسع من مجرد البيئة المحيطة من العائلة والكنيسة والعمل.

بانعدام الرؤيا الشمولية المؤمنة ببنيان (او كومونيا) خطة الله- يبقى الفكر والعمل مقتصرين على الدائرة القريبة ولا تتوسع الى لتصل لأرجاء العالم . ان كنيسة الرب تمتد في كل بقاع الأرض ويربطها رباط روحي متين اسسه دم ثمين أهرق على الصليب. ولكن هل يهمنّا الوصول لكل البشر؟ هل نشترك بشكل فعّال في الارساليات او ننضم مع مؤمني الكرة الارضية لليوم العالمي للصلاة لأجل الكنيسة المضطهدة مثلًا؟ هل نشترك بنشاطات روحية عامة على صعيد البلد ككل ام نبقى منطوين منعزلين ومتقوقعين في كنيستنا المحلية؟

يتوجب ان المؤمن المسيحي يرى بعيني الله ويعمل معه. وعينيّ الرب لا تركزان على اورشليم فحسب ولا حتى على السامرة لكنها تصل الى اقاصي الأرض. عملي ودوري يتوجب ان يكون بقدر الإمكان باتجاه الخروج عن طوق بلدي وشارعي وزقاقي الى العالم برمّته. يتوجب ان أرى ان بنيان (اكونوميا) الله اهم من مصلحة كنيستي. فاذا تركها مثلًا اشخاص لأجل خدمة أفضل في مكان آخر تُستغل طاقاتهم فيه بشكل ناجع لأجل بنيان اقوى لله – فيتوجب عندها ان ادعم ذلك. فهذا يفضي الى حصيلة ا”قتصادية” عامة أفضل لعمل الله العام في العالم، وان كان يعني تراجعًا في كنيستي المحلية.

الراعي البرونزي

هل نرى بعيني الرب نفسه فنعيش خطة الله  بشكل يرضي قلبه؟

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content