الأردنالعالم المسيحيالمانشيت الرئيسيسياحة مسيحيةمقالات

معنى عيد الغطاس وعاداته وتقاليده

الراعي الذهبي

بقلم: الارشمندريت الدكتور بسام شحاتيت*

خاص ب المغطس

               يحتفل المسيحيون في أول شهر من كل عام في بداية السنة الجديدة بعيد الغطاس وهو الاسم الشعبي المتداول بين المؤمنين لذكرى اعتماد السيد المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان. وفي كل سنة يتوجه المسيحيون من كافة الكنائس في المملكة الأردنية الهاشمية برحلة الحج الوطني المسيحي إلى المغطس ويقيمون الصلوات في هذا المكان المقدس. وفي الموقع آثار وكنائس يوحنا المعمدان تعود إلى بدايات انتشار المسيحية. وتركز الكنيسة على هذا الحدث التاريخي الذي يُعتبر من أقدم الأعياد المسيحية وأهمها وحتى يفوق عيد الميلاد أهمية من ناحية لاهوتية وروحية كما يذكر في التقليد الكنسي القديم. إذ يقول القديس أيرونيموس: ” أن المسيح أتى إلى العالم متخفيًا، أما في المعمودية فقد ظهر للعالم علنًا “. ومن الأسماء التي تطلق على هذا الحدث التاريخــي “عيد الظهور الإلهي” وتسميته “عيد الغطاس” تعو لكون عملية التعميد تتم من خلال تغطيس الطفل بالماء، وتسميته “عيد النور” لأن السيد المسيح هو نور العالم وعيد الدنح كما يسميه الكلدان في العراق.

   رواية عماد السيد المسيح على يد النبي يوحنا المعمدان نجدها في الإنجيل المقدس، كما يرويها لنا الإنجيليين متى ومرقص ولوقا وهي أن يوحنا المعمدان كان يمهد الطريق للسيد المسيح ويدعو الناس إلى التوبة واقتراب ملكوت الله كما وأنه دعا تلاميذه إلى اتباع يسوع المسيح حمل الله الحامل خطايا العالم. تصف لنا الرواية الكتابية أن أقدام السيد المسيح وطأت نهر الأردن وقدست مياهه وانفتحت السماء ونزل الروح القدس على هيئة حمامة، وأتى صوت من السماء يقول “هذا هو إبني الحبيب الذي عنه رضيت”. ومن هذه الحادثة يعتقد المسيحيون أن السماء في ليلة عيد الغطاس تكون مفتوحة والله يستجيب الطلبات والدعوات في هذه الليلة المباركة.

   ومن العادات الجميلة التي ترافق ليلة العيد عمل حلويات خاصة به تسمى الزلابية.

الراعي البرونزي
الزلابية من عادات موسم الغطاس

وفي القديم وفي لبنان كان المسيحيون يعدّون الخبز في بيوتهم فتقوم السيدات بتجديد وتغيير الخميرة -رمز للبركة والنعمة التي تحل على الطعام والبيت والسنة الجديدة. أما في مصر فيأكلون نبات القصب الذي يرمز إلى ضرورة التحلي بالاستقامة في الحياة الروحية، والقلقاس الذي ينبت وقت عيد الغطاس ويرمز إلى انتصار الحياة على الموت. وكما جرت العادة، كان المؤمنون يذهبون إلى نهر الأردن ويغتسلون هناك كرمز للتطهر من الخطايا والنقاء والصفاء.

    وقصة العمّاد يعبر عنها بالرسم بالفن البيزنطي في الأيقونة وهي الاسم للصورة الكنسية المقدسة والتي نجد فيها نهر الأردن ينساب بين الصخور كالأفعى وترمز التموجات إلى كلمة “أردن” أي شديد الانحدار، ويقف السيد المسيح في وسط مياه النهر ونلاحظ أنه يبارك بيمينه المياه مما يرمز إلى مباركة عناصر الطبيعة الأربعة: الماء والهواء والأرض والنار. ومن هنا جرت العادة أن يقوم الكاهن بزيارة بيوت المؤمنين ورشها بالماء المقدس الذي تتم الصلاة عليه خلال الاحتفال بالعيد. ويتم هذا لأننا نؤمن أن الله يبارك كل شيء في حياتنا، بيوتنا، مكاتبنا، مصانعنا، مدارسنا ووطننا. في القديم كان الماء يرمز إلى أن عناصر الشر وقوى الظلام تسكن في أعماق البحار والأنهار، فنرى صور الأفاعي والأسماك الشرسة في الأيقونة وفي الصورة نرى المسيح ينتصر على قوى الشر ويقدّس ويبارك الماء ويتحول من صورة لمركز الشر والموت إلى ينبوع النعم والخير والبركات الروحية. وفي أسفل اللوحة نجد شيخ مرتعش منغمس في مياه النهر يفرغ جرة ماء وهو تعبير عن الآية في الكتاب المقدس المزمور 114: 3 ” البحر رأى فهرب والأردن رجع إلى الوراء “، وتفسيرها أن مياه الأردن من قداسة السيد المسيح وألوهيته خافت ورجعت إلى الوراء.

الأرشمندريت شحاتيت يقوم بقداس العماد في موقع المغطس مع الوالدة سمر حنا والوالد جاكوب والطفل أشر

    وفي التقليد الكنسي والصلوات الطقسية نرتل في ليلة عيد الغطاس الترنيمة الشعبية التي يرددها جميع المؤمنون ” في اعتمادك يا رب في نهر الأردن … “. ولا يخفى على أحد أن التقليد الكنسي تُعتَمد نصوصه كمرجع تاريخي ولاهوتي فنستنتج الفكر والعقيدة من النصوص والأيقونات المقدسة ونؤمن أنه على مدى الأجيال رنم الأباء القديسون هذه الترنيمة التي تؤكد على أن السيد المسيح تعمد في نهر الأردن المقدس.

     ومن الناحية اللاهوتية يذكّر عيد الغطاس المؤمنين بيوم عمّادهم الذي هو المدخل للديانة المسيحية، وبه يلتزم باتباع التعاليم الإنجيلية وإنكار الشيطان وكل أعماله وجميع أباطيله واتباع المسيح والإيمان به أنه ملك على قلوبنا والعمل بوصايا الله وعدم مخالفتها. وكل المسيحيون يعتقدون بإيمان واحد وإنجيل واحد ومعمودية واحدة، وإله واحد أب لجميع الخلق.

عائلة جاكوب ميلر وينشب والوالدة سمر حنا على ضفاف الاردن

الراعي البرونزي

       ومن ناحية تاريخية وجغرافية نلاحظ عدد كبير من الدلائل تشير إلى وجود موقع المغطس مكان عماد السيد المسيح الذي يبعد عن عمان 45 كيلوا متر إلى الغرب من العاصمة عمان وإلى الشمال من البحر الميت وقد ذكره يوحنا الرسول في الإنجيل المقدس عندما قال: ” هذا كان في بيت عنيا حيث كان يوحنا يعمد ” (يوحنا 1 :28) مما يثبت أن يوحنا المعمدان عمد السيد المسيح في بيت عنيا.

        وفي اللوحة الفسيفسائية التاريخية التي تعتبر أقدم خريطة دينية في العالم الموجودة في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في مادبا والتي يعود تاريخها إلى القرن السادس نجد أن موقع بيت عنيا الذي ذكره القديس يوحنا موجود في الضفة الشرقية من النهر على الخريطة التي لا تزال شاهدة إلى يومنا هذا. وقد أكد المؤرخون والرحّالة اللذين مرّوا في ذلك المكان ذلك من خلال مذكراتهم اللذين كتبوها، ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر ثيوديسيوس وأنطونيوس والقديسة هيلانة اللذين أكّدوا على أن طريق الحج والصلاة كانت من القدس إلى بيت عنيا ومن ثم إلى مادبا.

        وما دفع الكنيسة والحكومة ممثلة بوزارة السياحة والآثار إلى الاهتمام بهذا الموقع هو الاكتشافات الأثرية التي تم الكشف عنها منذ سنة 1996.  وهذه الجوهرة الثمينة هي عبارة عن قرية دينية متكاملة تشتمل على تسع كنائس وبرك للعماد وكهوف للرهبان وتل مار الياس وأرضيات فسيفسائية جميلة ونقوش وكتابات. وقد حافظت اللجنة المشرفة على الموقع على طابعه الأثري والذي يعود تاريخه إلى حقبتين هامتين: الأولى هي العصر الروماني من القرن الأول إلى الرابع وهي الفترة التي عاش فيها السيد المسيح والقديس يوحنا المعمدان والثانية هي العصر البيزنطي من القرن الرابع إلى القرن السابع الميلادي، حيث بلغ الموقع عصره الذهبي عندما اعتمدته هيلانة أم الإمبراطور قسطنطين.

بعد العماد الطفل اشر وينشب في موقع المغطس

       ونلاحظ أن أهمية مكان عمّاد السيد المسيح الروحية والدينية والتاريخية والوطنية والسياحية واللاهوتية تزداد يومً بعد يوم لأنه يعتبر مركز انطلاق المسيحية للعالم. أن السيد المسيح ولد في بيت لحم بشكل مخفي وعاش حياة صامتة متواضعة، ولم يكشف عن نفسه ورسالته لأن ساعتها ووقتها لم يأتي بعد، ومن بيت عنيا أشرقت شمس المسيحية للعالم وبدأ السيد المسيح رسالته بشكل علني ومباشر لكل العالم وأرسل تلاميذه ليعلّموا ويبشروا ويعمّدوا كل العالم.

    نصلّي ونطلب من الله أن يحفظ جلالة الملك عبد الله الثاني المعظم والأردن والحكومة وهيئة المغطس ووزارة السياحة والجيش وكافة الأجهزة الأمنية، العين الساهرة التي تحافظ على أمن واستقرار الأردن.

الراعي البرونزي

    وكل عام وأنتم بألف خير.

*النائب الأسقفي العام

مطرانية الروم الملكيين الكاثوليك

الراعي البرونزي

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content