اخبار مسيحيةالمانشيت الرئيسيمقالات

نحو شراكة بين القيادات المسيحية الدينية والدنيوية

الراعي الذهبي

داوُد كُتّاب

عندما سُئل السيد المسيح عن موقفه من دفع الضريبة، طلب الحصول على قطعة من العملة، وسأل عن الشخصية الموجودة عليها، فقيل له إنها صورة القيصر. كان رد السيد المسيح: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”.

يبدو أن هذه الآية لا تزال غير مفهومة لدى البعض، وخاصةً من هم في مواقع السلطتين الدينية والمدنية. فهناك خلط غير صحي بين الأمور الدينية التي يجب أن تنحصر في علاقة الإنسان بربه، والأمور الدنيوية المرتبطة بالشأن الحياتي.


هل يُعدّ رجال الدين الممثلين الوحيدين للمسيحيين المتمسكين بوطنيتهم وعروبتهم؟”


طبعاً في شرقنا الحبيب، هناك سبب لهذا الخلط، وهو وجود الثقافة المسيطرة التي تدمج الجانب الديني بالجانب المدني. لا شك في أن هذا حق مبنيّ على مبدأ أن الإسلام دين ودولة، ولكن هل ينطبق الأمر نفسه على من يتّبع ديانةً أخرى؟ هل لرجال الدين المسيحيين رأي مطلق في الأمور المدنية بالإضافة إلى الروحية؟ وعلى سبيل المثال لا الحصر، هل رأي رجال الدين مطلق في موضوع التساوي في الإرث بين الرجل والمرأة، علماً أن الإنجيل يوضح أنه في المسيحية “لا فرق بين الرجل والمرأة” (غلاطية 3:27,28)؟

الراعي البرونزي

الأمر نفسه ينطبق على السلطات الدنيوية التي يطلب منا السيد المسيح احترامها، كما يكرر ذلك الرسول بطرس بقوله:

“اخضعوا، إكراماً لِلرَّبِّ، لِكُلِّ سُلطَةٍ بَشَرِيَّةٍ: لِلمَلِكِ فهوَ الحاكِمُ الأعلى، ولِلحُكَّامِ فَهُم مُفَوَّضونَ مِنهُ لِمُعاقبَةِ الأشرارِ ومُكافأةِ الصّالِحينَ”.

يبقى السؤال: هل للسلطة الحاكمة أن تفرض على المواطنين غير المسلمين الدمج بين الدين والدولة في ما يخص الأمور الدنيوية؟ هل للقائد الديني المسيحي أيضاً سلطة حصرية على الأمور المدنية الخاصة بالمسيحيين؟
نحن ندرك أن في المنطقة العربية دوراً للمحاكم الكنسية في أمور الأحوال الشخصية، مثل الطلاق والحضانة والنفقة والإرث وغيرها، ولكن هل هناك دور حصري للكنيسة في الشؤون الأخرى؟ هل، على سبيل المثال، للقيادات الدينية رأي ملزم في ما يتعلق بشؤون المواطنين المسيحيين العامة، غير تلك المنضوية تحت بند الأحوال الشخصية، مثل حق التعبير أو التجمع أو التصويت أو العمل الإدراي العام؟ وهل يُعدّ رجال الدين الممثلين الوحيدين للمسيحيين المتمسكين بوطنيتهم وعروبتهم؟

لقد أصبحنا نرى أن القيادات السياسية أيضاً تتعامل مع المسيحيين من خلال حصر الزيارات والاجتماعات برجال الدين، متجاهلين نواب الأمة والأعيان وهم قيادات مسيحية أيضاً، لهم احترامهم كما رجال الدين. أضف إلى ذلك كله أن رجال الدين، وكلهم رجال، يقومون بالتحكم بمجتمع نصفه فقط رجال، وكأن المرأة المسيحية العربية أيضاً لا رأي لها في الشأن العام.


إن الدولة المدنية التي نطالب بها، والتي يضمنها الدستور الأردني في البند السادس بمساواة المواطنين من دون تمييز حول ديانتهم، مدخل مهم لتوفير مرجعية متفق عليها بين الجميع

الراعي البرونزي

قرأت قبل أيام عن ندوة حول القدس تشارك فيها قيادات مسيحية ومسلمة، وكان الممثلون الوحيدون للمجتمع المسيحي العربي رجال دين. لا بأس في أن قياداتنا الدينية لها دور نؤيده ونحترمه في الدفاع عن القدس والمقدسات، ولكن هل موضوع القدس محصور فقط في الجانب الديني لدى المسيحيين؟ أعتقد أن هناك قيادات فلسطينيةً مسيحيةً مدنيةً وطنية لها صوت وتأثير يجب أن يتم الاستماع إليه دعماً وتكميلاً لدور القيادات الدينية.

إن الدولة المدنية التي نطالب بها، والتي يضمنها الدستور الأردني في البند السادس بمساواة المواطنين من دون تمييز حول ديانتهم، مدخل مهم لتوفير مرجعية متفق عليها بين الجميع.

لذلك فإنه من الضروري أن ندرك أن فكرة حصر الأمور المتعلقة بالمجتمع المسيحي العربي في رجال الدين فقط، أمر قد يكون غير مطابق لقول السيد المسيح: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”. إن المطلوب ليس الغاء هذه الجهة او تلك بل المطلوب شراكة حقيقية بين القيادات المدنية والقيادات الدينية بهدف العمل المشترك لما هو مصلحة المكون المسيحي في وطننا العزيز.

عن موقع رصيف22

الراعي البرونزي

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content