الأردنالمانشيت الرئيسيمقالات

نقتل لغتنا عن سبق اصرار

الراعي الذهبي

بقلم: لارا حدادين

بدي احكي عن ظاهرة مرعبة عم بتنتشر بعمان، ورح اكتب عنها بالعربي المحكي مش الفصحى حتى ما حدا يعتبرني بتفلسف!!!
رح يزعل مني كتير ناس لكن معليش تحملوني… لأنه ظاهرة الأطفال الي ما بحكوا عربي وكلامهم كله بالانجليزي بالنسبة الي صارت جداً مُقلقة وما حدا شايف تبعاتها على المدى الطويل!!
المكان: أحد فنادق البحر الميت
الزمان: من يومين
روّاد المكان: مجموعة من السياح الإنجليز يتحدثون بلغتهم الجميلة بكل فخر واعتزاز، مندهشون من سحر البحر….
ومجموعة لا بأس بها من سكان كوكب الاردن مع اطفالهم…. الاطفال يلعبون، يسبحون، يفتخرون بإنجازاتهم بالقفز بالماء، يتحدثون مع اصدقائهم بلغة انجليزية وبطلاقة تامة…. واهاليهم بيردوا عليهم بلغة انجليزية ذات لهجة ثقيلة واضح انها مش اصيلة!!!
ما في اي مبرر على كلام الاطفال بلغة غير العربية، لا ام اجنبية، واكيد مش سياح لانه المدارس برا كلها مداومة، والاهل بحكوا مع بعض عربي ولا حدا فيهم اشقر وعيونه زرق!!!!
المعضلة انه الظاهرة لم تقتصر على طفل او اثنين… الظاهرة عامة بشكل مرعب جداً…. ما سمعت طفل بحكي بالعربي ابداً!!!!!
والملاحظة اكيد لا تقتصر على الناس الموجودين بالبحر الميت!! مشوار لاي مدرسة او مول كفيل انه يشكل تصوّر بأن الظاهرة عامة جداً!!
الذي يجهله المعظم:
١- مخارج الحروف للغة العربية هي الاصعب على الاطلاق، يمكن توازي الصيني والياباني
٢- للأطفال قابلية مخيفة للتعلم وما يتعلموه خلال اول خمس سنوات من حياتهم هو ما يرسمها للابد
٣- الاطفال “كيوت” وهم بيحكوا انجليزي وهم صغار، واحنا بنكييف عليهم بسبب “عقدنا القديمة” لانه كان نفسنا نتقن الانجليزي بطلاقة واحنا صغار
٤- الطفل الكيوت رح يكبر وشاء ام أبى مضطر يدرس عربي بالمدرسة بكل بساطة لانه حتى اعتى مدارس الانترناشونال بتدرس مادة عربي…. ولما يبلش بده يقرأ رح تصير حياته جحيم وهو بيحاول يلفظ (ض غ ع ق ظ) ورح يكره المادة ويكره يدرسها وبالمعية رح يكره يدرس مادة الدين (سواء الاسلامي او المسيحي) لانها بالعربي
٥- الي الكل ناسيه هو انه هاد الطفل اردني عربي ولغته الأم يعني هوية جيناته عربية… لما إنسان يعيش في بلده الام ولا يتقن لغتها ابداً هو فعلياً فقد هويته وعاش في فصام اجتماعي طيلة حياته
٦- الطفل الي ما بتعلم العربي قبل الانجليزي رح يستصعب العربي طول عمره شو ما حاول قراءةً كتابةً واكيد كلاماً
فالشخص يتكلم ويستعمل المفردات التي خزنها في دماغه طيلة حياته… طفلنا الكيوت لما يصير زلمة وبده يتعامل مع ناس غير اهله وخارج دائرة اصدقاؤه الضيقة من وين بده يجيب مفردات؟؟؟ رح ينصدم انه مش كل الناس بتحكي متله ومش مستبعد يصير عنده ردة فعل نفسية ويتحول لشخص بالغ، عاقل، راشد لكن انطوائي
٧- واضح انه احنا شعب مليء بعقد النقص، وعدم الرضى عن الذات.. لهيك ننسلخ عن انفسنا ولغتنا وحضارتنا وعاداتنا وتقاليدنا الي مجموعها مع بعض بعمل “هوية” ممكن اي حدا بالعالم يتعرف عليها…. زي ما بنتعرف على الاشخاص الانجليز، اليونانيين، الطليان، الروس….. لكن لما نسافر برا ببلشوا سكان البلد يتحزروا احنا مين: اسبان، ولا من بلاد الشام، ولا يونانيين (لثقل لهجتنا ومبالغتنا حين نتحدث بالانجليزي)… الحمدلله اصبحنا بلا هوية!
٨- الحضارة الحقيقية هي إني اتقن لغتي، افهم إرثي، اكون مثقفة وعالمة، وأن أتقن بجانب لغتي الأم لغة أو أكثر واتحدث بها بطلاقة واكتبها بإتقان وادرس فيها باحتراف….
لما تكون اللغة الام هي العربية ثقوا تماماً اذا الطفل ما اتقنها من بداية تعلمه الكلام لن يتقنها او يتقن مخارج حروفها مهما حاول بعد ذلك… لأنها لغة صعبة جداً
خلاصة الحديث: ادق ناقوس الخطر لأننا نربي جيلاً من المستشرقين فاقدي الهوية… وفيما نحن نفعل ذلك نقتل لغةً من اقدم لغات العالم حيث أن أصولها الآرامية هي تلك اللغة المحكية منذ آلاف السنين…
لا يسعني أن اقول إلا “خسارة”

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content