العالم المسيحيالمانشيت الرئيسيمقالات

هل تقتصر مناصرة الحياة على مناهضة الإجهاض؟

بقلم: بطرس منصور

يستهوي الناس كل تعبير او مصطلح مرتبط بكلمة “الحياة”. فيقولون ان فلانًا “أكبر من الحياة” وعباقرة الدعاية اتخذوا التعبير “طعم الحياة” لمشروب الكوكا كولا. فكلنا نتشبث بالحياة ونمقت الموت…برّه وبعيد. فمن هنا يمكن ان تلاقي المجموعة التي اطلقت على نفسها اسم  “مناصرو الحياة” ((Pro-life تجاوبًا ايجابيًا. ولكن هذه الحركة التي بدأت في أمريكا وانتشرت بعدها في انحاء العالم، ركّزت عملها على مناهضة الإجهاض ولا غير.

احتفلت هذه الحركة هذا الأسبوع اثر قرار دراماتيكي أصدرته محكمة العدل العليا في أمريكا الغت فيه سابقة بقت سارية المفعول لمدة حوالي خمسة عقود. فقرار المحكمة العليا روي ضد ويد من 1973 الذي أصدرته تلك المحكمة منح الاسبقية لحرية المرأة على جسدها ولقرارها بالإجهاض اذا شاءت ذلك. واستاء الانجيليون (ومثلهم الكنيسة الكاثوليكية ونسبة عالية من المسلمين) منه اذ اعتبروا ان في الإجهاض مس بقدسية الحياة. فالتقاء البويضة والحيوان المنوي بحسب رأيهم يخلق انسانًا، وان كانت اعضاءه لم تكتمل بعد. واجهاض هذا الجنين هو عمليًا قتل لنفس.

وطبعًا هناك تفاوت في الآراء حول موعد تكوّن الجنين منذ بدء الحمل وايضًا حول الأسباب التي تعتبرخارجة عن القاعدة ويسمح عندها باجراء الإجهاض مثل خطر صحي على المرأة الحامل نتيجة حملها او تكوّن الحمل من اغتصاب للمرأة وغيرها.

وكان الانجيليون في أمريكا قد دعموا الرئيس السابق ترامب، وبالمقابل وعدهم بتعيين قضاة محكمة عليا محافظون، وفعلا قام بذلك. وحصد الانجيليون نتائج دعمهم لترامب بالقرار هذا الأسبوع بمنح المشرّع في الولايات المختلفة بالقرار بخصوص تنفيذ الإجهاض او منعه.

برأيي ان القرار الجديد يتناسب مع وصية الله بمنع القتل ولكن يتوجب تنفيذه باتزان وبشكل شمولي. واقصد مثلًا تقديم الدعم للطبقات الفقيرة اقتصاديًا مما سيخفف تدهور الفتيات من هذه الطبقات لعلاقات جنسية قبل الزواج تكون نتائجها الحمل غير المرغوب. كما يتوجب الاهتمام بتكوين نظام قانوني واجتماعي يسهّل تبني هذه الأطفال الرضع التي ستولد الآن بعدما تم منع اجهاضها.

لكن الغريب هو ان “مناصرو الحياة” اقتصروا في عملهم مناهضة الإجهاض واهملوا جوانب أخرى ذات اهمية لمن يقدّس الحياة. فمثلًا يدعم الانجيليون ممن يدّعون “مناصرة الحياة” حمل السلاح وهو ما يؤدي للقتل الجماعي المنتشر في انحاء امريكا. كما يدعم “مناصرو الحياة” الحكم بالاعدام (بدل السجن الطويل) لمن أدانته المحكمة وبهذا يمسون بقدسية الحياة لهؤلاء المُدانين. كما يبرز كثير من المحافظين في مواقفهم الداعمة للحروبات والاجتياحات. كيف يستوي كل هذا مع الادعاء بأنهم مناصرون للحياة؟

والامر يتعدى المحافظة على حياة البشر حرفيًا . فالله خلق الانسان على صورته وسلّطه على العالم واراد له الحياة الفضلى. لكن الانسان يظلم أخيه الانسان ويميّز ضده ويقهره. للأسف لا نسمع عن مناصرة المحافظين للمسحوقين من الأقليات او الفقراء رغم ان المس بهم والانتقاص من حقوقهم هو مسّ بصورة الله بالإنسان وحتى بالحياة التي قدّسها الله وارادها لبني البشر.

ليس في هذه الممارسات المؤذية للآخر وأد للحياة وقطع دابرها ولكنها تقلل من شأن الحياة المقدسة وتجعلها لا تستحق ان تُعاش. فالمرأة تبقى في موضعها المتدني ويبقى التمييز ضد الأقليات غير المتنفذة قائمًا. ان الدور الرجعي لهذه الفئات المحافظة يحفظ الحياة بمستواها المتدني – تلك الحياة التي أراد الله لها الازدهار ولكنها بفعل فاعل اصبحت منقوصة وتالفة.

الا يتوجب ان من اتخذ تعليم الله نبراسًا له، ان يعمل ما بوسعه لكي يعيش غيره من خَلق الله بالحياة الفياضة الفضلى؟

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content