المانشيت الرئيسيمقالات

وقفة في نهاية العام: محصول السنة

الراعي الذهبي

بقلم: منال عبدالله-خوري- سان فرنسيسكو

في هذا العام حلّقتُ بعيدا عن السرب، نحو المجهول… وكيف لطير ان يختار هذا الانفصال؟ ففي سربه تتشكّل هويته وكل ما هو عليه. وهل يستطيع بعد هذا العمر ان يبني لنفسه عشا جديدا وقبيلة جديدة وعادات جديدة؟
وعجبا كيف تصغر الدنيا في العين كلما كبرنا بالعمر لتغدو كل يوم اهتماماتنا أخف وزنا وأقل كثافة اجتماعية، أقل فضولا، وأبعد ما تكون عن الاجتماعيات المزيفة.
تكتشف بأنه لا يهم اين تعيش، بل كيف تعيش.
لا يهم كم هو عدد من يحيطونك، إذ يكفيك واحد يحبك بصدق ويكون لك رفيق درب نحو المجهول.
في حصيلة هذا العام تعلمت الكثير من الدروس التي قضيت سنوات طويلة أحاول عمل النقيض لها. اكتشفت في هذا العمر بأن للحياة حلاوة وطعم مختلف كلما كان وزري خفيفا واهتماماتي تتمحور حول ذاتي.
علمني هذا العام بأن اترك الناس مكانها حيث اختارت ان تقف وألا ألهث وراءها في محاولات لاجتذاب اهتمامها…
تعلمت بأن أتقبّل الظروف والمواقف الحاصلة على ما هي عليه دون محاولة إحداث أي تغيير عليها… فما هو لي، سأحصل عليه، وما لم يكن يومًا لي، لن أحصل عليه مهما جاهدت!
ومن اهم ما تعلمته بأن ليس كل فعل يحتاج لردة فعل… فما اجمل التخلي وعدم النظر إلى الوراء!
فمن أصدق وأشجع المواقف عندما تتخلى عمّا لا تستطيع تغييره، وتتقبل الحال على ما هي عليه. هو نبل وسمو وغنى. تغتني بذاتك دون شيء اخر.
ما أحببته من محصول هذا العام هو اتّباع حدسي لترك سربي العزيز ورائي، وانطلاقي نحو تجربة ومغامرة جديدة للعيش والسكن في مكان مختلف عن بلدي، مختلف عما عهدته واعتدت عليه. وكم هو مخيف عندما نختار المختلف والجديد.
في محصول هذا العام هزمت شر هزيمة الكثير من المشاعر السلبية، لغيت الكثير من المفاهيم والأفكار والناس التي كان جلّ اهتمامها ان تحبطني وتقلل من قدري.. اخترتُ نفسي من جديد وتعلمت ألا أضعها في ميزان وحسم ومقارنة. فإما أنا أو أنا. لا خيار ثالث!!
تعلمت هذا العام ان اغتنام الفرص الجديدة وبرغم ما فيها من غموض وتخوّف ومخاطرة، هو دوما ربح. من التجربة نتعلم ونكبر. ونحن شعب تربينا في بيئة تخاف وتخشى التغيير. نخاف الفرح لألا نحزن على إثره. نخاف المحاولة لألا نفشل. نخاف المغامرة لأنها تتطلب الشجاعة والجرأة والقوة والعزيمة وهي مقومات تتطلب الكثير من الجهد والطاقة والايمان بالذات، ونحن عروبة تحاول جهدها في أن لا تحاول جهدها وتعشم في أن تحصل على ذات النتيجة!!

هنا… رأيت وجها جديدا للخليقة…
هنا الناس تختار جودة الحياة على شكل الحياة ومظهرها.
في كل موسم لهم احتفالات وضحكات ومتعة بأبسط الأمور، بغض النظر عن الظروف التي يمرون بها، فقد اختاروا السعادة وعيش اللحظة والآن. نعم أشتاق لوطني الطيب، لكن وطني لم يعرف أبدا كيف يعيش وكيف يدعني اعيش… لا زال وطني يبحث عن السعادة وينتظرها لتأتي إليه.
تعلمت في هذا العام بأن سعادتي هي قراري الشخصي، وأنا من أُحيكها وأصنعها وألبسها، على قياسي وتفاصيلي وانحناءاتي دون سواي.
تعلمت بالغربة بألاّ أضع مفاتيح سعادتي في جيوب الآخرين، مهما كانوا غوالي… فلا يمكن ائتمان اي شخص على سعادتي… هي لي وحدي فقط.
اكتشفت في هذا البعد بأن للطير المغترب ان يكون نسرا… فالنسر يطير متفردا، غير تابع… يتميز بتفرّده.. بغزواته وانتصارته ومغامراته ويتألق!
في حصيلة هذا العام عرفت بأن الشجاعة والجراة والعزيمة والقوة كلها تكمن في ذات كل شخص، بغض النظر عن بيئته ومكان نشأته. كل انسان مميز جدا، وفي داخله عوالم وقدرات عظيمة دفينة تنتظر منه ان يراها…وكل ما عليه ليبدأ التغيير الحقيقي بحياته هو ان يؤمن بذاته وأن يختار سعادته هو. 

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content